ترامب يعين الشرع رئيساً

كتاب النهار 26-02-2026 | 04:08
ترامب يعين الشرع رئيساً
الأرجح أن ترامب، الذي أعاد تأكيد دعمه للشرع والإشادة بخصاله، استحسن تبني إنجاز يستهويه، حتى لو لم يكن له في تعيين الرئيس في سوريا ناقة أو جمل.
ترامب يعين الشرع رئيساً
لم تعلّق المنابر السورية الرسمية على تصريحات ترامب بشأن الشرع. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تعلّق المنابر السورية الرسمية على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الرئيس السوري أحمد الشرع. حسناً فعلت دمشق، كما فعلت عواصم كثيرة في العالم، منها تلك الأوروبية جميعها، مروراً بطوكيو وسيول وغيرها في آسيا، انتهاء بالقارة الأميركية شمالها وجنوبها. اختارت تلك العواصم، وأكثرها حليف لواشنطن، إهمال ما يخرج به سيّد البيت الأبيض، والتعامل معه كظاهرة وجب القبول بواقعها والتعايش مع سماتها.

لا طرف وازناً أخذ ما أعلنه ترامب من أنه هو من عيّن الرئيس أحمد الشرع في منصبه في سوريا على محمل الجد. وليس في الأمر نكران لواقع، بل لأن السياق لا يتّسق مع الوقائع. أطلق أبو محمد الجولاني (الاسم السابق للشرع) على رأس "هيئة تحرير الشام" عملية "ردع العدوان" في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. زحفت قواته من إدلب باتجاه ريف حلب، ولم يكن، كما عرفنا لاحقاً، في باله خطط للقفز باتجاه دمشق. حينها كان ترامب بعيداً جداً عن البيت الأبيض.

من تابع تلك اللحظات رصد ارتباكاً دولياً عاماً. صمت البيت الأبيض في ظل رئاسة الديموقراطي جو بايدن، وتلكأت واشنطن في إرسال وفد ديبلوماسي يستطلع التحوّل في دمشق، فيما كانت أوروبا تدفع بديبلوماسييها منذ اللحظات الأولى للتعامل مع اللحظة السورية الجديدة واستشراف جدارتها. كان ترامب، الذي فاز في الانتخابات الرئاسية قبل أسابيع، متطيّراً من الحدث السوري، ناصحاً إدارة بايدن في البيت الأبيض بعدم التدخل لأن الحرب في سوريا "ليست حربنا".

بعد ساعات من إعلان انتخابه في الخامس من ذلك الشهر، أي قبل 22 يوماً من "ردع العدوان"، كشف روبرت كينيدي، الذي عُيّن لاحقاً وزيراً للصحة، أن ترامب، في دردشة معه، رسم أمامه على ورقة خريطة للشرق الأوسط، وأعاد التساؤل بشأن نجاعة وجود قوات أميركية في سوريا. كان ترامب منذ ولايته الأولى يكره فكرة دور أميركي هناك. ولطالما وعد ونادى بالانسحاب من سوريا، بل كان قرر في عام 2018 سحب القوات الأميركية “لأن تنظيم الدولة الإسلامية على وشك الانهزام”، وفق تصريح له، وخضع لاحقاً لتوصيات البنتاغون، ولم يتم الانسحاب.

تسلّم ترامب منصبه في 20 كانون الثاني/ يناير 2024، أي قبل 9 أيام من إعلان الشرع رئيساً انتقالياً لبلاده، وبدا أن مزاج ترامب بصدد سوريا انعكس على مقاربة الولايات المتحدة الغامضة للتحولات السورية. فمقابل الحيوية التي أظهرتها العواصم الأوروبية والإقليمية في التعامل مع الحدث ومواكبته، أظهرت واشنطن غياباً علنياً على الأقل.

بدا أن الملف ليس من أولويات إدارة الرئيس الجديد المهجوس بفكرة سحب جنوده من هناك. لكن صمت واشنطن كان مربكاً لسوريا الجديدة، ومربكاً لعواصم العالم، كما للمنطقة، لضبط التموضع مع الحدث وتداعياته على التوازنات في العالم.

كان واضحاً أن ترامب "اكتشف" سوريا أثناء زيارته للرياض في أيار/ مايو 2025. بدا أن الرئيس الأميركي، وفق ما رواه، أصغى إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بعد أن أصغى قبل ذلك للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فأعلن من هناك قراراً برفع العقوبات عن سوريا. بعد ساعات، جمعه لقاء لأول مرة مع الشرع، فخرج منه معجباً برجل سوريا الجديد مذاك.

كل من يعرف تلك السيرة وذلك المسار يبتسم مما أعلنه ترامب بشأن تعيينه الشرع رئيساً. لم تجد دمشق في التصريح جانباً مهيناً، حتى لو شمت خصوم النظام بهذا الزعم. من تأمّل الصور القليلة لاجتماعه مع الشرع في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 في البيت الأبيض، أمكن له استنتاج مودّة يبديها الرجل لضيفه. والأرجح أن ترامب، الذي أعاد تأكيد دعمه للشرع والإشادة بخصاله، استحسن تبني إنجاز يستهويه، حتى لو لم يكن له في تعيين الرئيس في سوريا ناقة أو جمل.