.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
بعد سلسلة الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة يوم 22 حزيران/ يونيو 2025 لم تعد إيران في شك من أمرين: الأول أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفعل ما يقول ولا يمزح، والأمر الثاني أن الوقت لم يعد يجري لصالحها أو أنه قد نفد.
كانت طهران سابقاً تلعب في زمن ضائع لم يكن هناك مَن يضبطه أو يراقب ساعته. لذلك كانت تماطل وتناور وتطلب مُهلاً وتمانع وتعد من غير أن تكون جادة في تنفيذ وعودها، وتهدد من غير أن تكون متأكدة من صدقيتها. لقد ضبط النظام الإيراني ساعاته وفق مزاج متغير، بعضه راديكالي متشدد وبعضه براغماتي منفتح، غير أن الحقبة الترامبية ضيّقة وتوقيتاتها ليست سائلة. ذلك ما أدى إلى تضاؤل الأمل بمفاوضات، قد تسمح لإيران بالإفلات من الشروط الأميركية المسبقة.
هناك ميزان غير عادل بالنسبة لإيران؛ إما تنفيذ الشروط الأميركية وإما تلقي ضربة عسكرية قد تؤدي إلى سقوط النظام الذي كشفت الاحتجاجات الأخيرة عن اضمحلال شعبيته وانتهاء صلاحيته. كل مظاهر القوة العسكرية التي يتمتع بها النظام الإيراني لا يمكنها أن تسدّ الفراغ في الداخل في ظل إمكان هزيمته في حرب، تشنها عليه أكبر قوة عسكرية في العالم والأكثر ذكاء.
هل صار النظام الإيراني يفكر في ما يمكّنه في زمن ترامب الضيق من الخلاص من خلال تفادي ضربة أميركية محتملة؟ في المقابل هناك شروط ترامبية محكمة هل ستتمكن إيران من الإستجابة لها؟ سيكون نوعاً من السخرية لو تخيلنا أن إيران تملك ما تقدمه إلى العالم من أجل أن تكون طرفاً مقبولاً في مفاوضات متوازنة، بعد أن صار سلامها مهدداً بسبب إصرارها على امتلاك السلاح النووي من خلال المضي في التخصيب.
إيران وقد فارقت خيالها
يفاوض ترامب إيران وهي في أضعف حالاتها. إيران اليوم ليست هي إيران التي كانت تهيمن على لبنان وسوريا وغزة واليمن والعراق. هناك ميزان جديد للقوى، لا تعدّ إيران بموجبه من القوى التي يمكنها أن تتحكم بمصير المنطقة. ذلك الوهم الذي جرى تسويقه روسياً يوم كانت موسكو تروّج لحل للمسألة السورية من خلال اجتماعات أستانا. لقد أوهم الإيرانيون أنفسهم بأنهم صاروا أسياد المنطقة يوم اعتقدوا أن الإمبراطورية الفارسية الجديدة في طريقها إلى التشكل لتكون بغداد عاصمتها.
حتى حين انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، كانت إيران تجد في دول الاتحاد الأوروبي مَن يستمع إليها ويسعى بطريقة أو بأخرى إلى التخفيف من آثار العقوبات الاقتصادية الأميركية عليها. غير أن ذلك الزمن ولى كما أن إيران بسبب الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها، فقدت قدرتها على ابتزاز دول المنطقة من خلال أذرعها التي تم قطعها. لقد أدارت دول الاتحاد الأوروبي ظهرها لإيران لا لأنها ضعفت أو أنها فقدت الجزء الأكبر من هيمنتها على المنطقة بل لأنها كشفت بشكل صارخ عن محتوى مشروعها العبثي الذي لا ينطوي على أدنى درجة من درجات الاحترام للقانون الدولي.
وإذا كانت إيران لا تزال تحتفظ بمستوى لائق من العلاقات التي تربطها بالصين وروسيا، فإن الدولتين ليستا على استعداد للدفاع عنها في مواجهة التهديدات الأميركية التي تستمد شرعيتها أصلاً من الخوف من امتلاك نظامٍ غير راشد معادٍ للسلام العالميّ السلاح النووي الذي لا يمكن الاطمئنان إليه وإلى توقيتات استعماله وأسبابها.
بناءً على تلك المعطيات، لا يمكن التفاؤل بإجراء مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. تلقت إيران الشروط الأميركية مكتوبة وكانت في وقت سابق قد عرفت بمحتواها وأعربت عن رفضها إياها. ما لا يمكن توقعه أن تتراجع الولايات المتحدة عن شروطها وفي المقابل لا يمكن توقع تراجع إيران إلى مرحلة تصفير التخصيب وتسليم اليورانيوم المخصب، ما لم تتعرض لضربة أميركية تكون سبباً مقنعاً في تغيير المعادلات السائدة.
ضربة أميركية محدودة هي الحل
تنتظر إيران إذاً ضربة الخلاص لكي تكون المفاوضات حقيقية. فمن أجل أن تذهب إلى المفاوضات صاغرةً، فإن عليها أن تُشعر شعبها بأنها تقدم مصالحه على مبادئ النظام أو الثورة. هل سيكون ذلك ثمناً مقبولاً تكون التضحية بالنووي من خلاله سبباً لاستمرار النظام وبالنتيجة يكون الشعب المحتج هو الخاسر؟
تصل المغامرة إلى مديات شدّها النهائي إذا ما أصر النظام الإيراني على رفض الشروط الأميركية وفي مقدمها إنهاء التخصيب ونقل اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة. حينها يكون النظام قد أفتى بجواز الضربة الأميركية التي يتوقع أنها ستكون خاطفة. أما تهديده بالرد الذي يشير إلى توسيع الرد ليشمل دولاً في المنطقة، فإن تنفيذه سيكون رهيناً بتأثير تلك الضربة ومدى قدرة النظام على ضبط الداخل الإيراني.
ربما يبدو ذلك السناريو خيالياً، ولكن الأكثر خيالية أن تُجرى المفاوضات فيما يصر طرفاها على الوقوف عند الحدود التي تسمح بتبادل الرسائل فقط، وهي عملية لا تشير إلى تكافؤ في الفرص في ظل إصرار الطرف الأميركي على أن يضع الطرف الآخر تحت مطرقته.
ربما يبالغ الطرف الإيراني بسوء الفهم في محاولة منه لسرقة الوقت، غير أن الوقت بالنسبة للطرف الأميركي صار عزيزاً بعد أن حذرت أجهزته المختصة من أن إيران ستتمكن من صنع قنبلتها خلال وقت قصير.