"مجلس السلام"… إعادة إعمار غزة أم إعادة هندسة الصراع؟

كتاب النهار 25-02-2026 | 05:12
"مجلس السلام"… إعادة إعمار غزة أم إعادة هندسة الصراع؟
بين الطموح الكبير والواقع الميداني الهش، يقف "مجلس السلام" أمام اختبار مبكّر. إما أن يكون بداية مسار جديد يعيد تعريف إدارة الصراع بوضوح وشفافية وشراكة حقيقية، وإما أن يتحول إلى فصل آخر في تاريخ طويل من المبادرات التي اصطدمت بواقع أكثر تعقيداً من النيات.
"مجلس السلام"… إعادة إعمار غزة أم إعادة هندسة الصراع؟
من يمنع تحول مشاريع الإعمار إلى ساحة تنافس سياسي وأمني جديد؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، جاء إطلاق ما سُمّي "مجلس السلام" برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليطرح نفسه باعتباره إطاراً جديداً لإدارة ملف غزة، وربما ما هو أبعد من غزة. فالمسألة لا تتعلق بمؤتمر مانحين تقليدي فحسب، بل بمحاولة إعادة هندسة المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في القطاع تحت مظلة دولية تقودها الولايات المتحدة مباشرة.

إسرائيل قرأت المجلس بوصفه فرصةً لكسر ما تعتبرها حلقة مفرغة من المبادرات التي انتهت إلى "إدارة الأزمة" بدل حلّها. ومن هنا جاء توصيفها لخطة ترامب بأنها "الأولى التي تعالج الجذور"، في إشارة إلى ترتيب الأولويات على نحو مختلف: الأمن أولاً، ثم الإعمار، ثم السياسة. غير أن هذا الترتيب ذاته يحمل إشكالية عميقة؛ إذ يصعب عملياً فصل الإعمار عن السياق السياسي، كما يصعب تثبيت الأمن في غياب أفق سياسي واضح ومقبول من الأطراف المعنية. الأمن بلا حل سياسي يتحول إلى هدنة موقتة، والإعمار بلا مرجعية سياسية قد يصبح مجرد إعادة إنتاج لأسباب الانفجار.

الأرقام التي خرج بها الاجتماع لافتة سياسياً. فقد أُعلن عن تخصيص 17 مليار دولار لإعادة إعمار غزة، بينها 10مليارات تعهدت بها واشنطن عبر المجلس، إلى جانب مساهمات من دول عربية وآسيوية. لكن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن تكلفة إعادة إعمار القطاع قد تصل إلى نحو 70 مليار دولار بعد دمار طاول معظم البنية التحتية. الفجوة بين الرقمين لا تعني نقصاً في التمويل فحسب، بل تعكس تحدياً أعمق: هل المجلس بداية مسار طويل متعدد المرحلة، أم مبادرة سياسية سريعة تبحث عن إنجاز رمزي؟

الأهم من حجم الأموال هو آلية إدارتها. من سيتولى الإشراف على الصرف؟ ومن يضمن الشفافية؟ ومن يمنع تحول مشاريع الإعمار إلى ساحة تنافس سياسي وأمني جديد؟ على الأرض، ورغم دخول وقف النار حيز التنفيذ، لا يزال المشهد هشاً. استمرار التوترات، وتقارير عن تعزيز حركة "حماس" نفوذها الإداري والمالي، كلها مؤشرات إلى أن السلطة الفعلية داخل القطاع لم تُحسم بعد. وفي بيئة كهذه، يصبح السؤال الجوهري: من يدير المرحلة الانتقالية؟ ومن يمتلك القرار النهائي؟

المجلس لم يكتفِ بالحديث عن الإعمار، بل طُرحت فكرة "قوة استقرار دولية" وإقامة هياكل انتقالية متعددة لإدارة غزة، تشمل مجلساً تنفيذياً ولجنة وطنية وإطاراً رقابياً. هذه الهندسة المؤسسية قد تبدو طموحة، لكنها تثير أسئلة حساسة حول السيادة والتمثيل الفلسطيني، خصوصاً في ظل غياب فلسطيني رسمي واضح عن الاجتماع. أي عملية انتقالية لا تتضمن تمثيلاً فلسطينياً فاعلاً وشرعياً ستبقى عرضة للتشكيك، مهما كان حجم الدعم الدولي.

إقليمياً، انخراط بعض الدول العربية في التمويل لا يخلو من حسابات مزدوجة. فالمساهمة المالية تمنح موقعاً على طاولة القرار، لكنها في الوقت نفسه تضع مسؤولية سياسية وأخلاقية عن نتائج العملية. وإذا تعثرت الخطة أو افتقرت إلى الشفافية، فقد تتحول المشاركة إلى عبء داخلي. كما أن بعض الدول الأوروبية اكتفى بدور المراقب، فيما شددت قوى دولية أخرى على أهمية عدم تجاوز الأمم المتحدة، ما يعكس حذراً من إنشاء منصة موازية قد تُضعف النظام الدولي المتعدد الطرف.

في العمق، "مجلس السلام" ليس مجرد آلية تمويل، بل محاولة لإعادة تعريف معادلة إدارة غزة: من يقود، ومن يراقب، ومن يقرر. نجاحه لن يُقاس بالبيانات الختامية ولا بحجم التعهدات، بل بقدرته على إنتاج نتائج ملموسة سريعاً: مدارس يُعاد بناؤها، مستشفيات تعمل، كهرباء تعود إلى البيوت. سكان غزة لن ينتظروا طويلاً نقاشات قانونية أو مؤسسية؛ فالفجوة بين الإعلان والتنفيذ قد تكون قاتلة سياسياً.

السؤال الذي سيحدد مصير المجلس هو ما إذا كان سيبقى إطاراً مالياً رقابياً، أم سيتحول إلى مرجعية سياسية عليا لإدارة مرحلة انتقالية كاملة. وإذا كان الهدف فعلاً كسر حلقة "إدارة الأزمة"، فإن ذلك يتطلب معالجة الجذر السياسي للصراع، لا الاكتفاء بإعادة ترتيب الأولويات. فالتجارب السابقة في المنطقة علمتنا أن الإعمار يمكن أن يرمم الحجر، لكنه لا يعالج المعضلة السياسية إذا بقيت معلّقة.

بين الطموح الكبير والواقع الميداني الهش، يقف "مجلس السلام" أمام اختبار مبكّر. إما أن يكون بداية مسار جديد يعيد تعريف إدارة الصراع بوضوح وشفافية وشراكة حقيقية، وإما أن يتحول إلى فصل آخر في تاريخ طويل من المبادرات التي اصطدمت بواقع أكثر تعقيداً من النيات. وفي منطقة لا تتحمل عنصر توترٍ إضافياً، سيكون الحكم النهائي لما يحدث على الأرض، لا لما يُقال في القاعات المغلقة.