"الحق الكتابي" يُهدّد خطة ترامب!

كتاب النهار 24-02-2026 | 04:04
"الحق الكتابي" يُهدّد خطة ترامب!
إذا لم يُحسم التناقض في الرسائل الصادرة عن واشنطن، وإذا لم تتضح العلاقة بين الخطاب الديبلوماسي وخطط السلام المعلنة، فإن حالة الضبابية ستبقى عاملاً إضافياً لعدم الاستقرار، إذ ستقرأ كل الأطراف هذه الإشارات وفق حساباتها المسبقة...
"الحق الكتابي" يُهدّد خطة ترامب!
الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أ ف ب).
Smaller Bigger

بين خطاب "الحق الكتابي" وتناقض الرسائل الأميركية تقف منطقة الشرق الأوسط أمام اختبار سياسي بالغ الحساسية تختلط فيه الإشارات وتتباين فيه التصريحات على نحو يثير تساؤلات جوهرية بشأن الاتجاه الحقيقي الذي تسلكه واشنطن في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، إذ جاءت تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي بشأن ما وصفه بـ"حق كتابي" لإسرائيل في السيطرة على الشرق الأوسط لتفتح باباً واسعاً من الجدل والقلق ليس في العواصم العربية وحسب، بل أيضاً داخل دوائر المتابعة الدولية التي رأت في مضمونها وتوقيتها ما يستدعي قراءة تتجاوز حدود التصريح ذاته، فالكلمات التي تستند إلى مرجعية دينية لتبرير واقع سياسي لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي تتحرك فيه المنطقة، حيث تتقاطع التوسعات الاستيطانية في الضفة الغربية مع تعثر مسارات التهدئة في غزة ومع حالة انسداد سياسي تتطلب خطاباً يخفف الاحتقان ولا يعمقه.

الإدانة العربية الواسعة لهذه التصريحات لم تكن رد فعل عاطفياً بقدر ما عكست إدراكاً عميقاً لخطورة نقل الصراع من حيز السياسة القابل للتفاوض إلى فضاء الهوية العقائدية المطلقة، فحين يُمنح النزاع بعداً دينياً تصبح التسويات أقرب إلى التنازل عن معتقد وليس عن موقف سياسي، وتتقلص المساحات الرمادية التي تسمح بالحلول الوسط ويزداد خطر انزلاق المنطقة إلى استقطاب طويل الأمد يصعب احتواؤه بالأدوات الديبلوماسية التقليدية.

اللافت أن هذا الخطاب بدا في ظاهره متعارضاً مع الخطوط العريضة التي طرحتها إدارة الرئيس ترامب في ما عرف بـ"خطة ترامب للسلام" والتي قدمت آنذاك باعتبارها إطاراً سياسياً تفاوضياً يستند إلى ترتيبات واقعية تتعلق بالأمن والحدود والاقتصاد، ولم تُصغ بلغة دينية صريحة تمنح شرعية مطلقة للسيطرة الإقليمية. وهنا يبرز التناقض في الرسائل الأميركية بين طرح سياسي براغماتي يسعى إلى تسويق تسوية عملية، وبين خطاب يمنح الصراع بعداً عقدياً شاملاً، وهو تناقض يضعف الاتساق الاستراتيجي ويغذي الشكوك حول طبيعة المسار الحقيقي الذي يتم الدفع به.

يزداد هذا التناقض وضوحاً إذا ما أخذ في الاعتبار أن التصريحات صدرت عقب اجتماع مجلس السلام الذي ترأسه ترامب، وهي لحظة كان يفترض أن تعزز الثقة في نوايا التهدئة، وأن تبعث برسائل طمأنة إلى الأطراف المعنية. غير أن خروج خطاب يمنح الصراع شرعية دينية في هذا التوقيت تحديداً يفتح المجال لتساؤلات مشروعة حول ما إذا كان الأمر يعكس تبايناً داخل الإدارة الأميركية أم يمثل إشارة سياسية مقصودة تحمل أبعاداً أبعد من ظاهرها. وفي كلتا الحالتين فإن النتيجة واحدة وهي اتساع دائرة الغموض في بيئة إقليمية لا تحتمل مزيداً من الإشارات المتضاربة.

على الأرض يتزامن هذا الجدل مع واقع ميداني يتسم بتسارع البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، وتصاعد الاحتكاكات، ومع استمرار التعنت في بعض مراحل تنفيذ تفاهمات غزة ما يجعل أي خطاب متشدد يبدو وكأنه جزء من مناخ عام يميل إلى فرض الوقائع أكثر مما يميل إلى صناعة تسوية. وإذا استمر هذا الاتجاه فإن الأفق السياسي سيتراجع لصالح منطق الأمر الواقع، وسيتحول الصراع تدريجياً من نزاع سياسي يمكن احتواؤه عبر ترتيبات تفاوضية إلى صراع هوية مفتوح تغذيه سرديات دينية متقابلة.

المعضلة أن الصراعات المؤدلجة دينياً بطبيعتها طويلة الأمد لأنها تتعامل مع النص بوصفه مرجعية نهائية لا تقبل القسمة، بينما السياسة فن الممكن وإدارة المصالح والتوازنات. وإذا لم يُحسم التناقض في الرسائل الصادرة عن واشنطن، وإذا لم تتضح العلاقة بين الخطاب الديبلوماسي وخطط السلام المعلنة، فإن حالة الضبابية ستبقى عاملاً إضافياً لعدم الاستقرار، إذ ستقرأ كل الأطراف هذه الإشارات وفق حساباتها المسبقة وهو ما يزيد احتمالات سوء الفهم وسوء التقدير ويضيق مساحة الثقة المتبادلة.

من هنا، فإن الإدانة العربية لم تكن مجرد موقف احتجاجي بل تعبيراً عن خشية استراتيجية من انزلاق المنطقة إلى مرحلة يغيب فيها الإطار السياسي الجامع وتحل محله تصورات أحادية تعمق الاستقطاب وتضعف فرص التسوية، ومستقبل الشرق الأوسط. في ضوء هذه المعطيات سيتحدد بمدى قدرة الفاعلين الدوليين والإقليميين على إعادة ضبط البوصلة نحو مسار سياسي واضح المعالم ومتسق الرسائل، لأن أخطر ما يهدد مسار السلام ليس فقط تشدد المواقف بل تضاربها، بما يخلق فراغاً تفسيرياً تتسع فيه مساحة الشك وتضيق فيه فرص الوصول إلى استقرار مستدام يقوم على قواعد القانون الدولي والاعتراف المتبادل بالحقوق، بعيداً عن منطق المطلق الذي لا يعترف إلا بذاته.