قوة تخاف من نفسها

كتاب النهار 24-02-2026 | 04:00

قوة تخاف من نفسها

الأنظمة السلطوية لا تسقط لأنها ضعيفة بالمعنى التقليدي، بل لأنها تمنع نفسها من التكيف، وتحرم نفسها آليتين لهما أهمية في بقاء النظام، هما المراجعة والمحاسبة.
قوة تخاف من نفسها
الأكاديمي المتخصص في تاريخ السلطويات المعاصرة ستيفن كوتكين.
Smaller Bigger

تميل التحليلات في السياسة الدولية إلى النظر للأنظمة السلطوية بوصفها أنظمة قوية وقادرة على الحسم، إذ يهيمن فيها "الرجل القوي" على مؤسسات الدولة، ويمسك بالأمن، ويُخضع الإعلام، ويقلّص المعارضة. غير أن هذا التصور، كما يبيّن مقال في مجلة "فورين أفيرز"، يخفي حقيقة أكثر تعقيداً: هذه الأنظمة لا تعاني تهديداً خارجياً بقدر ما تعاني هشاشة داخلية متراكمة، وما يهددها فعلياً هو منطق حكمها نفسه.

ستيفن كوتكين الذي كتب المقال في مجلة "فورين أفيرز" المؤثرة (يناير -فبراير 2026) أكاديمي مشهور ومتخصص في تاريخ السلطويات المعاصرة. الإطلالة على فحوى المقال قد تقدم لنا بعض الأفكار المفيدة.

يرى الكاتب أن القوة في النظام السلطوي ليست مؤسسية، بل شخصية ومركّزة. تقوم على الخوف لا الثقة، وعلى الولاء لا الكفاءة، وعلى الطاعة لا المساءلة. هذا النموذج قد يوفّر استقراراً قصير الأمد، لكنه يزرع في العمق عوامل تآكل بطيئة، تجعل الدولة أقل قدرة على التكيف مع الأزمات. ومع الوقت، يتحول الاستقرار الظاهري إلى جمود سياسي واقتصادي، يؤدي إلى اضمحلال الدولة وربما إطلاق العنف المجتمعي.

يذهب المقال إلى أن التهديد الأخطر للرجل القوي في ذلك النظام، لا يأتي من الشارع، بل من داخل النخبة الصغيرة الحاكمة نفسها. ففي روسيا، تبدو قبضة فلاديمير بوتين الأمنية محكمة، لكن النظام يعاني انعدام الثقة داخل الدائرة الضيقة للسلطة، وعلى مستوى المؤسسات. 

 

المسؤولون ورجال الأعمال يدركون أن القرب من الحكم موقت، ولا أحد يعرف ماذا سيحل به في الغد من غضب "المعلم"، وأن الخطأ حتى في الصغائر مكلف، ما يدفعهم إلى الحذر المفرط، وتجنّب المبادرة، وتأجيل القرارات، مما يؤدي إلى بيروقراطية خانقة تتعطل فيها مصالح الناس. ذلك بالضبط ما عكسته مقدمة كتاب جواد ظريف "صعود الديبلوماسية" بوصفها للعبة الكراسي في طهران! 

 

هذا المناخ لا ينتج استقراراً حقيقياً، بل ينتج نظاماً مشلولاً يخشى الحركة، ويؤدي في النهاية إلى سقوط النظام بعنف.

في إيران، تتجلى الهشاشة في تناقض بنيوي بين دولة أمنية مغلقة، ومجتمع شاب متصل بالعالم. القمع يمنع الانفجار السريع، لكنه يمنع أيضاً التصحيح السياسي والاقتصادي. ومع كل موجة احتجاج، لا يسقط النظام، لكنه يخسر جزءاً إضافياً من شرعيته. الاقتصاد المأزوم والعقوبات وتراجع الثقة الشعبية، تجعل كلفة القمع أعلى، وتقلّص هامش المناورة أمام صانع القرار، ومع الزمن تظهر هشاشة النظام، و يقوم الشارع بالتصحيح حتى لو كان مكلفاً.

أما الصين، فهي المثال الأكثر تعقيداً. فقد نجح النظام في تحقيق نمو اقتصادي هائل، لكنه في المقابل عزّز مركزية السلطة في يد الرئيس، ما أضعف آليات النقد الداخلي. في دولة بحجم الصين، غياب التغذية الراجعة الصادقة يشكّل خطراً استراتيجياً. القرارات الكبرى تُتخذ في بيئة لا تسمح بالاعتراض الحقيقي، ما يجعل الخطأ، حين يقع، واسع التأثير وعميق النتائج. هنا تبدو القوة حقيقية، لكنها مشروطة بدقة القرار لا بصلابته.

يشير المقال إلى أن الاقتصاد هو كعب أخيل الأنظمة السلطوية. فالنمو يمكن فرضه موقتاً، لكن الابتكار يحتاج إلى حرية، والاستدامة إلى مؤسسات مستقلة. وعندما يتباطأ الاقتصاد، تتراجع الشرعية بسرعة، لأن النظام لا يملك أدوات سياسية مرنة لامتصاص الغضب الاجتماعي. عندها يتحول القمع من أداة ضبط إلى عبء ثقيل على النطام نفسه.

ويذهب التحليل إلى مقارنة جزئية مع الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب. فرغم أن أميركا ليست نظاماً سلطوياً، إلا أن الشعبوية ومحاولات تهميش المؤسسات، والتشكيك في استقلالية الإعلام، وربط السياسة بالولاء الشخصي، كشفت أن أي نظام يضعف حين تُستبدل المؤسسات بالأشخاص. الفارق الجوهري أن الديموقراطيات تملك آليات تصحيح ذاتي، وإن تأخرت ، كما حدث عندما اعتبرت المحكمة العليا الأميركية أن قرارات الرئيس في فرض الرسوم الجمركية ( غير دستوري)، بينما تغلق الأنظمة السلطوية هذه الآليات بيدها.

في السياق العربي، تكتسب هذه الخلاصات أهمية خاصة. فالمنطقة عاشت تجارب متنوعة مع أنماط حكم مركزية وتحت شعارات قومية أو إسلاموية، كلها تعتمد على نوع من القمع لا الإقناع، وأظهرت الأحداث أن الاستقرار القائم على القمع وحده لا يصمد طويلاً. الدول التي استثمرت في بناء المؤسسات، وتحسين الحوكمة، وتوسيع المشاركة الاقتصادية، كانت أقدر على امتصاص الصدمات، من تلك التي اعتمدت على القبضة الأمنية فقط. التجربة في فضائنا رغم تفاوتها، تشير إلى أن التحديث الاقتصادي من دون إصلاح إداري ومؤسسي يظل منقوصاً، وأن الاستقرار الحقيقي يتطلب توازناً بين السلطة والكفاءة والثقة المجتمعية.

الأنظمة السلطوية لا تسقط لأنها ضعيفة بالمعنى التقليدي، بل لأنها تمنع نفسها من التكيف. وتحرم نفسها آليتين لهما أهمية في بقاء النظام، هما المراجعة والمحاسبة. إنها تخشى النقد، فتفقد البوصلة، وتخشى المشاركة، فتتآكل الثقة، وتخشى الاعتراف بالخطأ، فتراكمه حتى يتحول إلى أزمة وجودية. القوة التي لا تسمح بالتصحيح ليست قوة، بل أداة موقتة لتأجيل الانفجار، والرجل القوي يظل أسير نظام يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من خصومه.

هذا الملخص الكثيف لهذا المقال اللافت للانتباه، يقدم لنا أجندة لقراءة ما حولنا من تغيرات، ويحض القارئ على استخدام العقل في تحليل الظواهر ، بدلاً من العاطفة.

 

الأكثر قراءة

العالم العربي 2/22/2026 1:30:00 PM
 قادة الإطار باتوا يتعاملون مع الملف بمنطق تجنب التصعيد الخارجي وحماية الاستقرار السياسي
العالم العربي 2/23/2026 8:59:00 PM
نتنياهو يقطع اجتماع الكنيست واستنفار شامل في إسرائيل مع تقارير عن استعداد أميركي لضربة على إيران
الخليج العربي 2/22/2026 12:08:00 PM
تُجسِّد هذه المناسبة الوطنية عمق الجذور التاريخية للدولة السعودية
المشرق-العربي 2/22/2026 6:40:00 AM
أكّدت الدول الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية، التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.