.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
كان التوتر عالياً، والتواصل مقنناً لأقصى الحدود، بين صديقي وأحد زملاء العمل، فالزميل متعجرف، وقح، يحدّث الجميع كما لو كان الإسكندر المقدوني. كان يتفاخر بالواسطة التي يحوزها لدى الإدارة، ويتعمد -لأسباب واضحة- ذكر مخالفاته المرورية البالغة 56 ألف درهم. لا، لم تخطئوا قراءة العدد.
ثم اختفى هذا الزميل فترةً لإصابته -للأسف الشديد- بالسرطان. ولما عاد إذ تحسّنت حالته وإن لم يتغلب على المرض كلياً، شعر صديقي بضغط خفي وغير مباشر بأن يفتح معه صفحة جديدة، وأن يغفر مضايقاته السابقة وتعليقاته الخبيثة. وبالفعل، كانت البداية بسؤاله في استمرار عن صحته، وعن موعد عمليته الجراحية المرتقبة، وكيف هو العلاج في بوسطن. ومتى ما استطاع، يضع صديقي أمامه كوباً من القهوة أو الشاي بالحليب.
ولكن شهر العسل لم يدم طويلاً، فالعلاجان الكيميائي والإشعاعي يقضيان على الأورام، ولكنهما بفاعلية البنادول حيال العجرفة والوقاحة والاحتفاء بالمحسوبيات. ومع تزايد التواصل بين الرجلين، تحوّل عدم الاستلطاف بينهما إلى عداء شرس، ومواجهة صاخبة.
ذلك الضغط الاجتماعي غير المعنون، وغير المتحدّث عنه علناً، الذي شعر به صديقي قد يأتيكم أحياناً أخرى بهيئته الصريحة، مثل أن يطلب منكم أحد الصفح عن فلان لأنه توفى، أو الصفح عمن بلغ الشيخوخة، وكأن حقوق البشر تسقط -كما أسنان كبار السن- بالتقادم، أو مثل أن تصلكم رسالة نصية منسوخة وملصقة بكسل في "واتساب" مفادها "إنه رمضان، هيا اصفحوا عنا".
ونحن نعلم بأن الصفح والمغفرة لا يوقتان، ولا يتقيدان بالمواسم والمناسبات، ولا يمكن إعدادهما "عند الطلب" فقط لأن من أساء لنا وأذانا مُني بتشخيص طبي مقلق أو رحل عن الدنيا. نعلم بأن الصفح يتطلب اعتذاراً شخصياً صادقاً، أو تغييراً جذرياً في سلوك الطرف الآخر وأخلاقه، أو وقتاً مناسباً للتعافي والتخطي. أو يتطلب -على الأقل- مبادرة من الضحية، وبإرادته الكاملة، حين يتيقن من قدرته على الغفران، ويرغب في التخفف من الحمل.
ولكننا نتنازل في أحيان كثيرة: أمام الضغط، والابتزاز العاطفي، والوعظ الديني المكثف، وربما أيضاً الخوف من وصمنا بالحقد وتشبيهنا بالبعير. ولا أدري لمَ البعير تحديداً، وأطالب بحق الناقة في الحقد بالتساوي.
بإمكانك دائماً أن ترد على تلك الرسالة النصية الرمضانية المنسوخة والملصقة بكسل في "واتساب" بعبارة "مسموح بالحل"، كما نقول في الخليج. وأنت لن تعنيها على أي حال، ولن تصفح عنهم حقاً.
ولكن تذكّر بأن خضوعك للضغوط الاجتماعية سيجرّد الغفران من قيمته، ويجعل المخطئين والمعتدين -وذلك يحدث بالفعل في مجتمعاتنا- يستسهلون نيله بمجرد تعرّضهم للمرض أو الوفاة. ولأنهم لا يجتهدون في سبيله، فهم لا يتغيرون مثقال ذرة، وبعض نتائج الصفح تأتي عكسية ووخيمة، كما حدث لصديقي.
وكل هذا العبث سيحيل الغفران على صواني شوكولا رخيصة نتبادلها في ما بيننا في كل رمضان وعيد، ولكن لا نمد أصابعنا إليها.