في المصائر المحبطة للشعارات السياسية العربية

كتاب النهار 20-02-2026 | 04:12
في المصائر المحبطة للشعارات السياسية العربية
في وضع يعاني فيه معظم البلدان العربية، من إعاقة قيام الدولة، كدولة مؤسسات وقانون ومواطنين، ومن انصراف الناس عن الاهتمام بالشأن العام، بحكم غرقهم في همومهم الحياتية اليومية، وفي وضع تتراكم فيه التحديات الخارجية، ظلت البلدان العربية، على الأغلب، تفتقد الى حراكات سياسية وازنة وواقعية ومؤثرة ومجدية.
في المصائر المحبطة للشعارات السياسية العربية
ارتكزت الحركات السياسية في العالم العربي، على الشعارات الحماسية المفعمة بالروح العاطفية
Smaller Bigger

ارتكزت الحركات السياسية في العالم العربي، طوال القرن الماضي، على الشعارات الحماسية المفعمة بالروح العاطفية والرغبوية في غالب الأحوال، خصوصاً في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق ومصر، وعلى الأخص في عقود ما بعد الاستقلال، التي اتسمت بصعود التيارات الأيدلوجية القومية واليسارية والإسلامية.

وتفيد محصلة التجربة التاريخية بأن تلك الشعارات التي ملأت ذلك العالم صخباً، لم تفد في فهم الواقع العربي وأسباب ترديه، بل إنها فوق قصورها أشاعت، أيضاً، قدراً عالياً من الإحباط والاضطراب وانعدام اليقين والانفصام في الوعي.

وإضافة إلى ما تقدم، فهي قصرت عن فهم أسباب بقاء البنى والعلاقات والمفاهيم التي تعيد إنتاج الواقع المتردّي في معظم البلدان العربية. وفوق ذلك فهي أحالت العجز والتخلف على العوامل الخارجية، في محاولة لتغطية العوامل الداخلية أو لحجبها.

هكذا، غرق التفكير السياسي العربي، طوال القرن الماضي، في الشعارات والمقولات الجاهزة، من دون أن يبحث، أو يفحص، مدى تمثّلها، أو إمكان ذلك، في الواقع على مستوى الأنظمة والمجتمعات، بل إنه في أحيان كثيرة، كان فكراً سياسياً مراوغاً، مع الواقع السائد، بتبريره، وبهروبه منه إلى الأمام، في تواطؤ، ولو غير مباشر، مع السلطات المسيطرة أو المتسيدة.

مثلاً، طوال الحقبة الماضية، جرى تكرار اللازمة عن ضرورة التكامل الاقتصادي والوحدة العربية لمواجهة إسرائيل، أو لمواجهة مشاريع الشرق أوسطية، وحتى التصدي للعولمة، من دون تمييز معرفي (سياسي وتاريخي) بين هذه المفاهيم، بحيث جرى، في الغالب، رفضها، وإدانتها، باعتبارها مفروضة من الخارج، بغرض السيطرة على العرب وإلحاقهم سياسياً واقتصادياً، لصالح هيمنة الصهيونية والإمبريالية.

الغرض هنا ليس طرح الانكفاء عن التكامل، بأي مستوى، وضرورته، أو نبذ رفض المشاريع الخارجية، من عدم ذلك، إذ إن العالم ينحو نحو تعضيد التكتلات الكبرى، والاتجاه نحو التكامل والاعتماد المتبادلين، وإنما المطروح هنا هو طرح التساؤل عن عدم استطاعة البلدان العربية التوصل الى أدنى أشكال التوحد، أو التكامل، الاقتصادي؟ وهل رغبت الحكومات السائدة بذلك فعلاً؟

المشكلة الثانية تكمن في أن تلك الشعارات لم تكن تحضّ على ضرورة مشروعات التكامل الاقتصادي بين البلدان العربية إلا باعتبارها من ضرورات الصراع والمواجهة (ضد إسرائيل والهيمنة الغربية)، في حين أن مثل تلك المشروعات ضرورية لذاتها، للمواطنين وللدول، أي هي ضرورية لتلك البلدان من أجل إطلاق عمليات التحديث والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بوجود الصراع مع إسرائيل ومن دونه أيضاً، مثلما هي ضرورية في ظروف العولمة أو من دونها.

وفي مجال الصراع ضد إسرائيل، بدت الخطابات العربية مفعمة بالروح الشعاراتية الحماسية، في حين بيّنت التجربة التاريخية أن العرب، كدول وكمجتمعات، لا يملكون سوى إبداء مشاعر الغضب وطرح الشعارات إزاء عدوهم. فهم، مثلاً، يستوعبون عدم قدرتهم على محاربة إسرائيل، لأكثر من سبب، لكنهم لا يريدون تحمل تبعات السلام معها، أو هم يريدون السلام معها، لتجنّب تبعات العداء لها، ولكنهم لا يستطيعون فرض السلام عليها أو حتى إقناعها بالسلام معهم، كما حصل مع تجربة المبادرة العربية للسلام (2002)، وقبلها في المفاوضات التي انبثقت عن مؤتمر مدريد للسلام (1991)، واتفاق أوسلو، الفلسطيني ـ الإسرائيلي (1993)!

خطاب الديموقراطية ليس أفضل حالاً، إذ جرى التركيز على رفضها بدعوى عدم نضج الظروف المناسبة لها في التربة العربية، أو بدعوى أنها استجابة لبدعة، أو لتدخل، من الخارج، في حين تم السكوت، أو اللامبالاة، إزاء حال التسلط الداخلي، في واقع تبدو فيه المجتمعات العربية أحوج ما تكون إلى ظرف تتعلم فيه الديموقراطية، وشرط تتمكن عبره من إيجاد ديموقراطيتها، بخاصة مع التأكيد على فكرة المواطنة، التي غابت عن شعارات كل التيارات الأيدلوجية (القومية واليسارية والإسلامية)، بإقامة دولة المواطنين، المتساوين الأحرار، باعتبارها الشرط الشارط للديموقراطية.

طبعاً، لم يخل الأمر من شعارات، أو مقولات، أو مفاهيم، سياسية جادة، في معالجة الواقع العربي، في بنيته وعلاقاته ومفاهيمه الداخلية، لكنها ظلت تعبر عن حالات معزولة، وفردية، ولم تتحول إلى قوة مجتمعية، مع الأسف.

هكذا، ففي وضع يعاني فيه معظم البلدان العربية، من إعاقة قيام الدولة، كدولة مؤسسات وقانون ومواطنين، ومن انصراف الناس عن الاهتمام بالشأن العام، بحكم غرقهم في همومهم الحياتية اليومية، في ظل تنامي نسبة الفقر، وتدني مستوى الخدمات الأساسية، من التعليم إلى الصحة والسكن والبني التحتية، وفي وضع تتراكم فيه التحديات الخارجية، ظلت البلدان العربية، على الأغلب، تفتقد الى حراكات سياسية وازنة وواقعية ومؤثرة ومجدية.