هل تتمكّن القاهرة من البقاء خارج نطاق الصراعات الخليجية تماماً؟

كتاب النهار 18-02-2026 | 15:07
هل تتمكّن القاهرة من البقاء خارج نطاق الصراعات الخليجية تماماً؟
 البعث الاقتصادي للتنافس بين السعودية والإمارات لا يمثل مجرّد طرح نظري بالنسبة الى القاهرة، بل يشكل قضيةً وجودية حقيقية.
هل تتمكّن القاهرة من البقاء خارج نطاق الصراعات الخليجية تماماً؟
القاهرة. (إكس)
Smaller Bigger

لن تتمكن القاهرة من البقاء خارج نطاق الصراعات الخليجية تماماً. لكن الديبلوماسية الأميركية المدروسة في القضايا الاقتصادية والأمنية الإقليمية يمكن أن تمنح القادة المصريين المرونة الكافية لمواصلة إستراتيجيتهم المتوازنة. هذا ما يقوله باحث عربي جدّي في مركز أبحاث أميركي مهم جداً. فمصر تتأرجح حالياً بين السعودية والإمارات. ولن تتمكن القاهرة من البقاء خارج نطاق الصراعات الخليجية تماماً، لكن الديبلوماسية الأميركية المدروسة في القضايا الاقتصادية والأمنية الإقليمية يمكن أن تمنح القادة المصريين المرونة الكافية لمواصلة استراتيجيتهم المتوازنة مع تفاقم التوترات بين السعودية والإمارات حول أجندات متضاربة في اليمن والسودان وأماكن أخرى. تُدرك مصر أكثر من أي وقت مضى أن استقرارها الاقتصادي وأمنها القومي يعتمدان اعتماداً كبيراً على هذين البلدين الخليجيين، وقد يكون اختيار الانحياز إلى أحدهما أو الآخر مكلفاً، لكن تفاقم الاختلاف بينهما يجعل من الصعب الحفاظ على الحياد التام، ثم يمكن فهم استراتيجية القاهرة الحالية على أنها نهج تقسيم مدروس يقوم على تعزيز التقارب مع الإمارات العربية المتحدة في ما يتعلق بتدفقات السيولة والصفقات الاستثمارية الكبرى، وتعميق التنسيق مع المملكة العربية السعودية في القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي. في الحالتين تبدو مصر مصممة على الحفاظ على هامش من الاستقلال الاستراتيجي في ملفاتها الأساسية "الخطوط الحمراء".

إن البعث الاقتصادي للتنافس بين السعودية والإمارات لا يمثل مجرّد طرح نظري بالنسبة الى القاهرة، بل يشكل قضيةً وجودية حقيقية. ذلك أن مصر تعلّمت أن تعتمد بدرجة كبيرة على البلدين بوصفهما داعمين ماليين رئيسيين، وإن كان ذلك عبر مسارات وأدوات مختلفة. أصبحت الإمارات المصدر الرئيسي للسيولة السريعة للقاهرة. وقد أظهرت حزمة الاستثمارات لعام 2023 وتبلغ قيمتها نحو 35 مليار دولار، كيف يمكن لأبوظبي ضخ العملة الأجنبية في مصر بسرعة، والمساعدة في استقرار الجنيه، وتمويل مشاريع البنية التحتية البارزة وفي ظل الظروف المالية الحالية. لا تستطيع القاهرة تحمّل نفوذ الجهة الوحيدة المستعدة لوضع مبالغ نقدية كبيرة على الطاولة من دون سابق إنذار. في المقابل تُعدّ العربية السعودية الركيزة الاقتصادية الاستراتيجية لمصر، إذ يُنظر الى رأسمالها على أنه ذو طابع مؤسسي، وذلك من خلال توفير ودائع طويلة الأجل لدى البنك المركزي، ومنتجات بترولية بشروط ميسّرة عبر ترتيبات مع أرامكو، إضافة الى تحويلات مالية حيوية من أكثر من مليون عامل مصري تُسهم في دعم أسرهم. وبدلاً من الاختيار بين النموذجين والوقوع في فخ الاعتماد المفرط على جهة واحدة من دول الخليج، عملت مصر على تنويع المخاطر. في هذا السياق تبرز حلقة حديثة حول مفاوضات الموانئ هذا المنطق. ففي تشرين الثاني حصلت كيانات إماراتية مرتبطة بشركة ADQ على حصة أغلبية في شركة الإسكندرية لمناولة الحاويات والبضائع وهي إحدى أهم شركات تشغيل الحاويات في مصر وذلك بالاستحواذ على حصة 19,3 في المئة من الشركة السعودية المصرية للاستثمار. ومع ذلك عندما قُدّم عرض إضافي في كانون الأول من شأنه رفع حصة الإمارات إلى حوالي 90 في المئة، رفضت الشركة القابضة المصرية بيع حصتها (35,4 في المئة). تُظهر هذه التطورات أن القاهرة مستعدة لمنح حصص أغلبية للإماراتيين والسماح لأموال الخليجيين بالدخول والخروج من القطاعات الرئيسية، لكنها غير مستعدة للتنازل عن السيطرة شبه الكاملة على الأصول الاستراتيجية المرتبطة بقناة السويس. المثير للاهتمام أن إسرائيل أصبحت الآن جزءاً من هذه المعادلة أيضاً بعد الإعلان في كانون الأول الماضي عن صفقة جديدة لتصدير الغاز الطبيعي مع القاهرة. من المتوقع أن تخدم الكميات الإسرائيلية الإضافية غرضاً مزدوجاً يشمل تخفيف القيود على قطاعي توليد الطاقة والصناعة في مصر مع تغذية مصانع التسييل التي تضرب صادراتها إيرادات يُشكّ في حاجة الحكومة إليها. ومع نمو هذه العلاقة في مجال الطاقة فإنها ستتقاطع على نحو متزايد مع العروض الإماراتية والسعودية للحصول على حصص في الموانئ المصرية واللوجستيات والبنية التحتية ذات الصلة.