الأكثر صدقاً و"انحطاطاً"... "لحظة ميونيخ" خطبة وداع للنظام العالمي!

كتاب النهار 18-02-2026 | 03:52
الأكثر صدقاً و"انحطاطاً"... "لحظة ميونيخ" خطبة وداع للنظام العالمي!
كان مؤتمر ميونيخ بمثابة مرثية لنظام عالمي يحتضر... ربما لم تسقط هياكل النظام الدولي بعد، لكنها، كما في قصة عصا سليمان، قد تبقى واقفة تسند جسداً فارق الحياة، إلى أن تكشف "الأرضة" هشاشتها!
الأكثر صدقاً و"انحطاطاً"... "لحظة ميونيخ" خطبة وداع للنظام العالمي!
روبيو أثناء مغادرته مطار ميونيخ الدولي جنوب ألمانيا، في 15 فبراير 2026، بعد حضوره مؤتمر ميونيخ للأمن. (أ ف ب)
Smaller Bigger

مؤتمر ميونيخ للأمن ليس مجرد ملتقى للنخب السياسية والعسكرية، بل مختبر للأفكار الكبرى، قبل أن تتحول إلى سياسات. وإذا كان "منتدى دافوس" يفضح أوهام السوق والعولمة التقليدية، فإن منتدى ميونيخ يعرّي أوهام القوة والتحالفات والردع، ويفضح ما يحاول الخطاب الغربي إخفاءه، وقد تكون تلك أكثر لحظات "ميونيخ" صدقاً، وربما "انحطاطاً"!

عام 2022، تحدى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا "البوتينية"، من فوق منصة ميونيخ، معلناً عزمه جرجرة "حلف الناتو" إلى الفضاء السوفياتي السابق. لم تكن تلك مجرد كلمات عابرة، إنما اختبار إرادات، أعواد ثقاب في مستودع بارود، إذ لم يمض أسبوع حتى اندلعت الحرب الروسية - الأوكرانية، ولا تزال مشتعلة، والخسائر تطال الجميع: أوكرانيا التي دُفعت إلى أتون مواجهة كبرى، وروسيا التي تتألم وتتراجع هيبتها واقتصادها، وأوروبا التي اكتشفت هشاشتها عسكرياً وسياسياً، والنظام الدولي الذي تجلى عجزه. في تلك اللحظة كان مؤتمر ميونيخ منصة استعراض زائف دفعت أوروبا والعالم ثمنه فادحاً.

في دورة 2025، كان التوتر بين واشنطن وحلفائها الحدث الأبرز. أحرج جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، الأوروبيين بفجاجة. انتقد أوروبا بذريعة سياسات الهجرة المتساهلة وقمعها حرية التعبير، وحذرهم: لسنا مستعدين لدفع فاتورة أمنكم كما في السابق. وكأنه يقول عليكم أن تتدبروا أمركم مع روسيا. ارتجفت القاعة، بعد كلمة فانس، بكى كريستوف هيوسغن، رئيس مؤتمر ميونيخ، وهو يقول: "إن قاعدة المبادئ المشتركة، لم تعد موجودة بعد اليوم".

وفي مؤتمر ميونيخ 2026، استخدم ماركو روبيو وزير الخارجية الأميركي لغة أكثر مراوغة وأقل حدة، من دون اختلاف كبير في المضمون. قال: إن إدارة ترامب ترحّب بتخلّي أوروبا عن اعتمادها على الولايات المتحدة. لا نريد لأوروبا أن تكون "تابعة" لنا، نريد أن نعمل معاً لتغيير الواقع و"تجديد النظام العالمي". لكنه حذّر: واشنطن مستعدة للتحرك بمفردها إذا لزم الأمر. ووصف السياسات الأوروبية بالضعيفة والمترددة، متهماً إياها بـ"الخوف من التغير المناخي، والحرب، والتكنولوجيا".

اللافت أن الأوروبيين أحبوا "سُمّ روبيو"، لأنه مغلّف بالعسل، بينما قدّمه فانس بلا تغليف. لم يكن الخلاف في الجوهر، بل في الأسلوب. تحدث روبيو عن "القلعة الغربية"، عن حضارة ينبغي أن تعيد تنظيم صفوفها، عن عالم لا تحكمه القواعد بل موازين القوة. ذكّر الأوروبيين بماضيهم، حتى الاستعماري منه، ودعاهم للفخر به، وحذّر من "كارثة عالمية غير مسبوقة"، أخطر من أزمة الصواريخ الكوبية، ولم يكن يبالغ، بل يهيئ "الذهن الغربي" لسباق تسلح جديد، خاصة بعد دفن "معاهدة ستارت"!

بعد ثلاثة أيام من الخطب والنقاشات، في مؤتمر ميونيخ 2026، تبدو الحصيلة قاتمة: أصوات الخوف تدوي. الغرب الذي بنى نظاماً عالمياً، على قواعد ومؤسسات، يعترف اليوم بأنه لم يعد يثق بهذه القواعد. الحضارة التي بشّرت بالعولمة المفتوحة، تبني الآن أسواراً. صدّرت الديموقراطية الليبرالية كنهاية للتاريخ، واليوم تقول إنها "ليست النهاية". باتت الأرض ساحة صراع حادّ متعدد الأشكال، وجوهر الصراع - كما ظهر في ميونيخ - ليس إيديولوجياً، بقدر ما هو صناعي وتقني. التفوق الصيني في سلاسل الإمداد والمعادن النادرة والتصنيع منخفض التكلفة فرض معادلة جديدة. لم تعد الولايات المتحدة قادرة على منافسة الصين بالشروط نفسها. من هنا، باتت الرسوم الجمركية والعقوبات أدوات حرب باردة اقتصادية تضع أوروبا أمام خيارين: الاصطفاف مع واشنطن في مواجهة بكين، أو مواجهة عزلة داخل معسكر يُعاد تعريفه؛ وبالتالي أوروبا "خاسرة" في الحالتين!

اعترف المستشار الألماني فريدريش ميرتس، أمام المؤتمر، بـ"حقيقة غير مطمئنة: فجوة وانقسام عميق بين أوروبا وأميركا"، وطالب بمزيد من الاستقلالية الأوروبية، مضيفاً أنه "في عصر التنافس بين القوى الكبرى، لن تكون الولايات المتحدة قوية بما يكفي لتتحمل الأعباء وحدها"، بينما تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن "دفاع أوروبي" أكثر شمولاً يضم دولاً، مثل: النروج وتركيا والمملكة المتحدة.

كشفت مناقشات ميونيخ عن تحوّل بنيوي: العولمة التي بشّر بها الغرب تتراجع أمام منطق القلعة. الهدف ليس دمج العالم، بل تحصين الغرب. المؤسسات الدولية لم تعد مرجعاً، بل قيد على السيادة. قالها روبيو: "نقلنا سيادتنا إلى مؤسسات دولية، بينما بنى آخرون جيوشهم". هكذا، تُدفن فكرة "نهاية التاريخ" التي صاغها فوكوياما، في تسعينيات القرن الماضي، ويُعاد تعريف الغرب كتحالف قوة، لا كمنظومة قيم عالمية. أوروبا لا تدافع عن العدالة، بل عن موقعها داخل القلعة. الفرق بين أن تكون داخل الأسوار أو خارجها.

كان مؤتمر ميونيخ بمثابة مرثية لنظام عالمي يحتضر. السؤال المعلّق: هل ما نشهده إعادة تشكّل قاسية للنظام الدولي، أم بداية انقسام حضاري لا تملك أوروبا فيه إلا أن تختار بين التبعية أو المجهول؟ ربما لم تسقط هياكل النظام الدولي بعد، لكنها، كما في قصة عصا سليمان، قد تبقى واقفة تسند جسداً فارق الحياة، إلى أن تكشف "الأرضة" هشاشتها!