.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
السؤال الذي يتردد في العواصم المعنية بالملف الإيراني ليس بسيطاً: هل ستضرب الولايات المتحدة إيران؟ لكن السؤال الأهم ربما أصبح: هل يمكن أن تنجح طهران في استبدال شبح الضربة بعرض صفقة اقتصادية عملاقة تتجاوز قيمتها التريليوني دولار؟
نحن أمام معادلة مركّبة تتجاوز ثنائية الحرب والسلام. إنها لحظة صراع على التوقيت، وعلى تكلفة القرار، وعلى من يتحمل تبعات الخطوة الأولى إذا انهار التوازن الهشّ القائم منذ سنوات.
في الظاهر، كل عناصر الضربة العسكرية متوافرة. برنامج نووي إيراني يقترب تقنياً من العتبة العسكرية، حشد أميركي ملحوظ في الإقليم، وضغط إسرائيلي مستمر يرى أن الزمن يعمل لمصلحة طهران. هذه المعطيات تجعل خيار الضربة حاضراً على الطاولة، لا كاحتمال نظري، بل كخيار أُعدّت له الخطط العسكرية وينتظر فقط الغطاء السياسي.
فالولايات المتحدة لا تحشد بهذا الحجم لمجرد الاستعراض. الرسالة واضحة، الخيار العسكري ممكن وسريع إذا تقرر اللجوء إليه. لكن في العمق، تميل الكفة، حتى الآن، إلى عدم الضرب.
السبب الأول أن مسار التفاوض، مهما بدا هشاً أو بطيئاً، لا يزال قائماً. وفي الحساب الأميركي، وجود قناة سياسية مفتوحة أقل تكلفة بكثير من الانزلاق إلى مواجهة قد تخرج عن السيطرة.
فالضربة ليست قراراً عسكرياً تقنياً، بل مقامرة استراتيجية. الرد الإيراني، كما تدرك واشنطن، لن يكون رمزياً. الحديث يشمل قواعد أميركية في المنطقة، أمن الملاحة في الخليج، وشبكات حلفاء ووكلاء قادرين على فتح جبهات متزامنة.
أي ضربة "محدودة" قد تتحول سريعاً إلى مواجهة إقليمية واسعة، حتى لو لم تكن تلك نية الطرفين.
ثم هناك سؤال الجدوى. التقدير السائد داخل دوائر القرار الأميركية أن الضربة، مهما كانت دقيقة، قد تؤخر البرنامج النووي الإيراني لكنها لن تقضي عليه. والأسوأ أن النتيجة العكسية واردة، دفع طهران إلى تسريع مسار التسلّح النووي والتخلّي نهائياً عن سياسة الغموض، التي لا تزال تمثل عنصر ضبط نسبي للأزمة. بهذا المعنى، تصبح الضربة عالية التكلفة ومحدودة الفاعلية، وهو أسوأ سيناريو في الحساب الاستراتيجي.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن استبعاد الضربة بالكامل. ميزان الاحتمالات قد يتغير سريعاً إذا انهار مسار التفاوض، أو إذا وقع حادث نوعي يعيد تعريف الخطوط الحمراء، سواء عبر استهداف مباشر لمصالح أميركية أو عبر تطور مفاجئ في الملف النووي. عندها قد تجد واشنطن نفسها أمام خيارين أحلاهما مر، الضرب مع كل مخاطره، أو القبول بإيران على عتبة نووية.
هنا يدخل العامل الجديد، "الإغراء" الإيراني. طهران لم تكتفِ برفع مستوى الضغط النووي، بل لوحت بورقة الاقتصاد بأرقام غير مسبوقة. من عرض بقيمة تريليون دولار في الربيع الماضي إلى حديث يتجاوز التريليوني دولار اليوم، تحاول إيران إعادة صياغة المعادلة مع الرئيس الأميركي عبر رسالة عنوانها "الاستثمار" بدل "العقوبات".
الفكرة واضحة: تحويل الصراع من ساحة التهديد والردع إلى طاولة الصفقات والعقود. الحديث يدور عن بناء عشرات المفاعلات النووية السلمية، شراء 1500 طائرة "بوينغ"، استيراد ملايين السيارات، واستثمارات ضخمة في النفط والغاز والأدوية والإلكترونيات. إنها محاولة لمخاطبة رئيس يرى العالم بعين الصفقة، ويقيس النجاح بالأرقام الكبيرة.
من زاوية أميركية، العرض ليس بلا إغراء. صفقة بهذا الحجم يمكن أن توفر مادة دعائية قوية: وظائف جديدة، إنعاش للصناعات المتعثرة، وإحياء للصناعة النووية المدنية التي تسعى واشنطن إلى إعادة تنشيطها. كما أن تحويل المواجهة مع إيران إلى مسار اقتصادي قد يبدو إنجازاً يجنب المنطقة حرباً مكلفة، ويتيح للرئيس تقديم نفسه كصانع صفقات لا صانع نزاعات.
لكن بين الإغراء والتنفيذ فجوة واسعة.
أول هذه الفجوات هو نظام العقوبات المعقد والمتداخل. صفقة بتريليونات الدولارات تتطلب رفعاً أو تعليقاً واسعاً للعقوبات، وهو قرار لا يمر بسهولة سياسياً وقانونياً في واشنطن. الكونغرس، التحالفات الإقليمية، وحسابات السياسة الداخلية، كلها عوامل ثقيلة في المعادلة.
ثانياً، عامل الثقة. تجربة الاتفاق النووي عام 2015، ثم الانسحاب الأميركي، ثم التصعيد المتبادل، جعلت الثقة بين الطرفين شبه معدومة. أي استثمار أميركي بهذا الحجم يحتاج إلى ضمانات صلبة في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
ثالثاً، التحالفات. شركاء واشنطن في المنطقة ينظرون بعين الريبة إلى أي انفتاح اقتصادي لا يقترن بقيود نووية صارمة وواضحة. أي اتفاق "ناعم" قد يُنظر إليه كتنازل استراتيجي يمنح إيران موارد إضافية دون تغيير جوهري في سلوكها الإقليمي.
أخيراً، واقعية الأرقام نفسها. شراء 1500 طائرة أو استيراد ملايين السيارات يفترض تمويلاً وتأميناً وبنية سوقية مستقرة لسنوات طويلة، وكلها رهينة مسار سياسي هشّ. تضخيم الرقم من تريليون إلى تريليوني دولار يعكس على الأرجح تكتيكاً تفاوضياً: كلما ارتفع منسوب التهديد، ارتفع حجم الإغراء.
نحن إذن أمام مسارين متوازيين، مسار الردع العسكري ومسار الإغراء الاقتصادي. كلاهما جزء من مباراة أعصاب طويلة.
الولايات المتحدة لا تريد الحرب، لكنها لا تغلق بابها. وإيران ترفع مستوى الضغط دون أن تقفز إلى نقطة اللاعودة. الصفقة المطروحة قد تكون مدخلاً لإعادة فتح مسار تفاوضي اقتصادي–نووي جديد، لكنها بعيدة عن أن تتحول سريعاً إلى عقود موقعة بقيمة تريليونات.
المعادلة ليست "ضربة أم صفقة" بل "تكلفة أي منهما ستكون أقل". الحرب مقامرة قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها. والصفقة الكبرى، مهما بدا بريقها، لن تقاس بحجمها المعلن، بل بقدرتها على الصمود أمام أول اختبار ثقة.
الشرق الأوسط يعيش لحظة مفصلية، لكن ما يجري الآن ليس حرباً وشيكة بقدر ما هو إدارة توتر محسوب. ومع ذلك، في منطقة اعتادت أن تنفجر بسبب خطأ في الحساب أو حادث عابر، يبقى السؤال مفتوحاً: من سيتحمل تكلفة الخطوة الأولى إذا انكسر التوازن؟