قضية جيفري إبستين… حين تتحول الحقيقة إلى ضجيج مُتحكَّم به

كتاب النهار 17-02-2026 | 04:14

قضية جيفري إبستين… حين تتحول الحقيقة إلى ضجيج مُتحكَّم به

تكشف قضية إبستين أن أخطر الضجيج الإعلامي ليس ما يُلفّق بل ما هو صحيح، ويُستخدم خارج سياقه. وبين حقّ الجمهور في المعرفة، وحقه في الفهم، تبقى المعركة الحقيقية هي معركة الوعي لا معركة العناوين.
قضية جيفري إبستين… حين تتحول الحقيقة إلى ضجيج مُتحكَّم به
رسم لجيفري إبستين مع نص مكتوب عليه ”الجميع يحمي الجاني“ (يسار) و”الجميع يتجاهل الضحايا“ (يمين) خلال كرنفال في دوسلدورف، غرب ألمانيا. (أ ف ب)
Smaller Bigger

عادت قضية جيفري إبستين إلى الواجهة مجدداً، لا لأنها كُشفت للمرة الأولى، بل لأن توقيت إعادة إبرازها، وطريقة تغطيتها، جعلاها مثالاً واضحاً على ما يُعرف بالضجيج الإعلامي المُتحكَّم به. فالقضية في أصلها حقيقية، خطيرة، وموثقة، وتتعلق بشبكات استغلال جنسي، وعلاقات مع شخصيات نافذة سياسية واقتصادية وإعلامية. لكنها في الوقت ذاته قضية مفتوحة غير محسومة بالكامل، وقابلة لإعادة التدوير إعلامياً، كلما دعت الحاجة.

هنا لا يكمن جوهر الضجيج في اختلاق الأكاذيب بل في إعادة تشغيل ملفات صحيحة داخل سياق إعلامي مزدحم بما يترك المجال للتزوير والتلفيق وإدخال شخصيات بغرض الكسب السياسي، فتتحول القضية من مسار قانوني أو حقوقي إلى موجة صادمة تهيمن على النقاش العام، وتساهم فجأة في تراجع ملفات أخرى سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية إلى الهامش، ويُغرق الرأي العام بسيل من التسريبات والتحليلات والاتهامات من دون أفق واضح للحسم أو المساءلة.

هذا النوع من الضجيج يُعرف في دراسات الاتصال السياسي بـ"إزاحة الأولويات"، أي نقل انتباه الجمهور من سؤال "ما الذي يحدث الآن؟" إلى سؤال أكثر إثارة وعاطفية، لكنه أقلّ قابلية للفهم أو الحلّ، ويوجه الـجمهور إلى الانشغال والغضب والارتباك، لكنّه غير قادر على بناء موقف واعٍ أو المطالبة بإجابات محدّدة.

في مثل هذه الأوقات، تقع على الجمهور المتلقي مسؤولية لا تقلّ أهمية عن مسؤولية الإعلام. وأولى النصائح هي: التمهّل وعدم الانجرار خلف العناوين الصادمة والتمييز بين وجود القضية وطريقة توظيفها. فليس كلّ ما يُعاد تداوله يُعاد بدافع العدالة أو الحقيقة بل أحياناً بدافع السيطرة على الانتباه؛ كما يجب الاعتماد  على المصادر الموثوقة، وتجنّب مشاركة المحتوى غير المكتمل أو العاطفي الذي يُغذّي الضجيج بدل الفهم.

أما على مستوى الدول والمؤسسات فالتعامل مع الضجيج الإعلامي يتطلب حكمة لا انفعالاً، وعدم الرد العشوائي أو الدخول في فوضى التفسيرات، مما يزيد من الإرباك ويُضعف المصداقية. المطلوب في هذه الأوقات  هو الخطاب الهادئ والثابت، الذي يقود السردية بدل أن يلاحقها، ويُميّز بين ما يستحق الرد وما يجب تجاهله. كما أن الاستثمار في الشفافية وبناء الثقة المسبقة مع الجمهور هو خط الدفاع الأول ضد أي موجة ضجيج.

تكشف قضية إبستين أن أخطر الضجيج الإعلامي لا ما يُلفّق بل ما هو صحيح ويُستخدم خارج سياقه. وبين حق الجمهور في المعرفة وحقه في الفهم، تبقى المعركة الحقيقية هي معركة الوعي لا معركة العناوين.

 

الأكثر قراءة

الولايات المتحدة 2/25/2026 10:40:00 PM
صورة لـ "ستيفن هوكينغ" في ملفات جيفري إبستين تُعيد الجدل حول رحلته إلى جزر العذراء
واشنطن تشترط اتفاقاً نووياً دائماً مع إيران...
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
سياسة 2/25/2026 5:10:00 PM
القوات اللبنانية: الفنان رشدان إنسانٌ حرّ يتمسّك بحريته