.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
إذا كانت التنازلات الإيرانية في مستوى توقعات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإنها تتطلب من مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، أن يجد صيغة لإقناع قاعدته الشعبية بأنه اضطر لتجرع كأس السم إنقاذاً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما فعل قبله آية الله الخميني عندما وافق مجبراً على قرار وقف النار مع العراق.
ستكون التنازلات محورية وجوهرية وعميقة بدءاً بالملف النووي وبطريقة جذرية وليست تجميلية. الملف الصاروخي لن يفلت من استحقاق التنازل. إيران ستضطر للتخلي، مرحلياً على الأقل، عن الوكلاء إنقاذاً للوكلاء لأن الخيار الآخر، بالنسبة الى "حزب الله" في لبنان مثلاً، هو أن تقوم إسرائيل بسحق الحزب عسكرياً إذا لم تتم التفاهمات.
لدى دونالد ترامب خطة (أ) تفاوضية وخطة (باء) عسكرية، فيما تعدّ اسرائيل لخطة (باء) بسيناريوهات هجومية لمواجهة إيران بالتوازي مع تعزيز القوات الأميركية قدراتها في الشرق الأوسط. هذا بموجب تنسيق أميركي-إسرائيلي وليس العكس.
إذا كانت هناك تفاهمات نحو صفقة أميركية–إيرانية، فإن الصفقة الصعبة المنال تنطلق من توقف ايران عن الإصرار على السقف الزمني للالتزامات النووية (sunset clause)، ومطالبتها بأن تتخلى الولايات المتحدة في المقابل عن آلية إعادة فرض العقوبات تلقائياً (snapback). إلى جانب معالجة الاختلاف على شتى الأمور النووية الأخرى مثل مستوى التخصيب والترتيبات المتعلقة باليورانيوم المخصب.
ما لن يحصل هو أن يقع دونالد ترامب في الفخ الإيراني بما يجعله باراك أوباما آخر.
ما ذهب به رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن تضمن معلومات مفصلة لإقناع الرئيس الأميركي بضرورة توجيه الضربة العسكرية الآن، فيما القيادات الإيرانية متزعزعة ومذعورة، وتضمن أيضاً تبريرات إسرائيلية للإصرار على أن الصواريخ الباليستية ووكلاء الحرس الثوري هم مصدر تهديد للأمن القومي الإسرائيلي.
تضمنت خرائط نتنياهو تحديد مواقع حيوية لمؤسسات النظام في طهران ومفاصله، وحمل معه ملفاً استخبارياً في العمق الإيراني وعن الداخل الإيراني، هدفه تهدئة المخاوف الأميركية من اندلاع الفوضى وتداعياتها، وطمأنة دونالد ترامب الى أنه لن تكون هناك حاجة للقوات الأميركية على الأرض.
إسرائيل لا توافق على أن لا بديل من النظام في طهران وبالتالي يجب تجنب إسقاطه. الترتيبات التي تدور في أذهان الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية لا تركز حصراً على شخصيات قد تعتبر رمزية مثل ابن الشاه، لأن إسقاط النظام يتجاوز قدراته وقدرة المجتمع الإيراني نفسه على الإمساك بزمام الأمور.
الرهان هو على المؤسسة العسكرية التقليدية، أي الجيش الإيراني، وعلى إمكان تولي الجيش زمام الأمور في حال اندلعت الفوضى، إما بكامل المؤسسة إذا تماسكت، وإما بجناح منها متحالف مع قيادات مدنية أفرزتها الاحتجاجات لضبط الفوضى وتولي إدارة المرحلة الحرجة في إيران.
نائب الرئيس الأميركي، جاي دي فانس، شدد على أن الأولوية هي المسألة النووية، وقدم ما يشبه "قطعة حلوى" لإيران عبر قوله أن الشأن الداخلي الإيراني يعود للشعب الإيراني، ما يعني أن إدارة ترامب ليست في وارد إسقاط النظام أو التدخل في الحكم الداخلي، في مقابل تنازلات نووية. هذا الطرح هو جزء من الإغراء السياسي وليس من صلب قرارات إدارة ترامب.
طروحات نائب الرئيس الأميركي تمهّد، ولا تقيّد، الرئيس بل تترك لدونالد ترامب مساحة الخيار والمراوغة وربما التضليل، لأن ذلك ضروري في مرحلة اقتران العد العكسي في السباق بين المحادثات السياسية والعمليات العسكرية.
المعسكر الذي يقوده وزير الخارجية ماركو روبيو واضح في دعمه الخيار العسكري في أقرب وقت كي لا تنال الرئيس الاميركي سمعة التراجع والغدر. إضاعة الفرصة الآن هي، في رأي روبيو وكذلك في رأي عدد مهم من العسكريين ومسؤولين في الاستخبارات، ضرب من الغباء الاستراتيجي.
هذا المعسكر لا يتوقف عند الملف النووي وإنما يصرّ على المطالب الحيوية الأخرى أيضاً: الصواريخ والوكلاء والضمانات الأمنية لإسرائيل والكف عن الإضطهاد والقمع في الداخل الإيراني.
أما في البعد الاستراتيجي الأعمق، فالحسابات النفطية أساسية في سياسة الهيمنة الأميركية على أسواق النفط العالمية وانعكاساتها على اقتصاد الصين ونفوذها.
في موضوع الأذرع أو الوكلاء، إن التنازلات الإيرانية لا بد من أن تشملها، بدءاً من "حزب الله" في لبنان حيث أمام إيران خياران: إما إنقاذ النظام و"حزب الله" عبر تفاهمات ضمن الصفقة، وإما المغامرة بالتضحية بـ"حزب الله" لأن إسرائيل ستتولى مصيره عسكرياً إذا لم تتنازل إيران. فطهران تدرك أن مصير الوكلاء مهدد في أي حال، وبالتالي فإن التنازل الجزئي عن "حزب الله" يُنظر إليه وسيلة لإنقاذه، وهو قد يكون مثالاً على "تجرع كأس السم" بالنسبة لإيران.
في العراق، الإدارة الأميركية واضحة حيال منع عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة بأي شكل، ويجري إيجاد صيغ تؤدي إلى ترتيبات داخلية عراقية تسمح بالانسحاب أو التنازل أو الاحتواء، لتجنّب مواجهة عراقية مع الولايات المتحدة تحمل عنوان وصول المالكي إلى رئاسة الحكومة. الهدف الأميركي هنا هو قطع النفوذ الإيراني في العراق من خلال المعركة على رئاسة الحكومة وترشح المالكي.
في اليمن، المسألة مزيج من الاستعدادات العسكرية والضغوط الديبلوماسية. إدارة ترامب تنوي قطع الطريق على قدرات الحوثي في محيطه وفي مضيق هرمز والبحر الأحمر، مع إتاحة المجال لخامنئي لتقديم تنازلات في ملف الوكلاء تحت شعار "إنقاذ إيران".
أما في ما خص حركة "حماس"، فقد خرج الموضوع من يد طهران ولم يعد أولوية حقيقية، رغم التعهدات اللفظية في شأن فلسطين.
نحن إذن أمام مفترق طريق بين لغة التنازلات التي ستجنب إيران الحرب وبين لغة الانتحار إذا استدعت المواقف الإيرانية الضربة العسكرية الأميركية والإسرائيلية.
التنازلات تحافظ على استمرارية النظام إذا سار خامنئي على نهج الخميني وتجرع كأس السم ليقدم نفسه للإيرانيين على أنه يفعل ذلك من أجل إيران وليس فقط النظام، ويحصل على تسهيلات اقتصادية تتيح للشعب الإيراني التعافي.
أما إذا استمرت القيادة الإيرانية في التلكؤ الاستراتيجي أو المماطلة التكتيكية أو استخدام المفاوضات وسيلة لزعزعة موقف دونالد ترامب، فإن الضربة العسكرية واردة وآتية في غضون مهلة الشهر التي تحدث عنها ترامب، ولربما في غضون عشرة أيام.
ترامب لا يتحمل المفاوضات المفتوحة الأفق، خصوصاً مع اقتراب العملية الانتخابية الأميركية، وهو يريد أن تكون المسألة حاسمة وذات نتيجة واضحة.