احتلال إسرائيل للضفة لم يبدأ اليوم

كتاب النهار 13-02-2026 | 04:12
احتلال إسرائيل للضفة لم يبدأ اليوم
لا يمكن اعتبار الإجراءات الإسرائيلية المتعلّقة بترسيخ هيمنة إسرائيل على الضفة الغربية أمراً جديداً، أو مفاجئاً، لسبب بسيط مفاده أن إسرائيل لم تتوقف يوماً، لا بالمواقف السياسية ولا بالقوانين ولا بالممارسة، عن القيام بكل شيء لتأكيد هيمنتها على الضفة الغربية...
احتلال إسرائيل للضفة لم يبدأ اليوم
فلسطينيون يقفون أمام أنقاض منزل قيل إن مستوطنين إسرائيليين قاموا بهدمه في اليوم السابق في قرية في ضواحي أريحا في الضفة الغربية، في 11 فبراير 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

بديهي أن إسرائيل احتلّت الضفة الغربية (مع قطاع غزة) كنتيجة لحرب حزيران/ يونيو 1967، أي منذ قرابة ستة عقود، إلا أنها لم تخرج منها البتّة، بموجب عقد اتفاق أوسلو، وإقامة السلطة الفلسطينية (1994)، على خلاف الانطباع الرائج، بمعنى أنها لا تعيد احتلالها اليوم، علماً بأن من النواقص الأساسية في الاتفاق المذكور أنه لم يعرف إسرائيل كدولة احتلال، ولم يعرف الضفة وغزة كأراض محتلة!

على ذلك لا يمكن اعتبار الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بترسيخ هيمنة إسرائيل على الضفة الغربية أمراً جديداً، أو مفاجئاً، لسبب بسيط مفاده أن إسرائيل لم تتوقف يوماً، لا بالمواقف السياسية ولا بالقوانين ولا بالممارسة، عن القيام بكل شيء لتأكيد هيمنتها على الضفة الغربية، وتكريس احتلالها لها، عبر مصادرة الأراضي، وهدم البيوت، وشق الطرق الالتفافية، وإقامة الجدار الفاصل، الذي يقطع أوصال الضفة، ويحدّ من التواصل بين القرى والمخيمات والبلدات والمدن الفلسطينية، وضمن ذلك بالطبع بناء المستوطنات الجديدة، مع تعزيز وتوسيع المستوطنات القديمة، ولا سيما في محيط القدس.

ومعلوم أن إسرائيل ظلت ترفض الانسحاب من كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة (1967)، بخاصة في الضفة (5680 كم2، 21 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية)، بموجب اتفاق التسوية مع إسرائيل (1993)، بدعوى الحفاظ على أمنها القومي، وعلى الوجود الاستيطاني، والبقاء في المقدسات اليهودية. وفق ذلك، فهي فرضت تقسيم الضفة، في اتفاقات أوسلو، إلى ثلاث مناطق (أ) حيث السيطرة الكاملة للسلطة الفلسطينية (وهي ظلت سيطرة منقوصة كما قدمنا)، ومنطقة (ب) حيث السيطرة الفلسطينية ـ الإسرائيلية المشتركة، ومنطقة (ج) وهي منطقة تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وهي تشمل 60 في المئة من أراضي الضفة.

يمكن ملاحظة تطورات خمس جديدة فقط، لكنها تصبّ في ذات السياق، وهي تشمل: أولاً، إعلان حكومة المتطرفين في إسرائيل القطع تماماً مع اتفاق أوسلو، وتحجيم السلطة الفلسطينية إلى أقصى حدّ، علماً بأنها سلطة على الفلسطينيين فقط، من دون سيادة على الأرض والموارد والمعابر والمستوطنين.

ثانياً، إنشاء ميليشيا للمستوطنين، بحيث باتت تشكل جيشاً موازياً، في مواجهة الفلسطينيين، لترسيخ السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وتغيير الواقع الديمغرافي في الضفة، والتضييق على عيش الفلسطينيين.

ثالثاً، توسيع عمل الإدارة المدنية (الإسرائيلية) للضفة، بمعنى أن إسرائيل بعد أن كانت تنازع السلطة الفلسطينية على الأرض والموارد والمعابر، وتترك لها إدارة "السكان" الفلسطينيين، باتت اليوم تنازع تلك السلطة حتى على إدارة "السكان" أيضاً.

رابعاً، محاولة فرض خيارات أخرى تشتغل بديلاً عن السلطة الفلسطينية في إدارة الضفة، على نحو يشابه النموذج الذي جرى تشكيله في قطاع غزة، في إطار السعي لفرض وصاية على الشعب الفلسطيني، بما يخدم هدف إسرائيل بفرض سيطرتها على الفلسطينيين من النهر إلى البحر، وشطب البعد الفلسطيني من معادلات التسوية.

خامساً، تبعاً لكل ما تقدم، تحاول إسرائيل، أيضاً، القيام بنوع من الضم المتدرج للضفة، سواء مع إبقاء المدن والبلدات، الفلسطينية، خارج هذا الإطار، كمدن/جزر معزولة، أو من دون ذلك. ولعل هذا مغزى قرار الكنيست الإسرائيلي، الذي صدر أخيراً، المتضمن تعزيز صلاحيات إسرائيل في الضفة، ما يسمح بشراء أراضٍ لتوسيع المستوطنات، وتوسيع نطاق إنفاذ القانون الإسرائيلي في المنطقتين "أ" و"ب" فيها، مع إجراءات تُسهّل على المستوطنين الإسرائيليين شراء الأراضي في الضفة، بما يعني تغيير الواقع السياسي والقانوني لها، علماً بأن ذلك يتناقض مع المكانة القانونية، والتاريخية، للأراضي الفلسطينية المحتلة، على مر السلطات التي تعاقبت عليها، قبل إقامة إسرائيل، وبعد احتلالها للضفة، أي أن إسرائيل باتت تتعامل مع أراضي الضفة كأنها ليست أراضي محتلة، تماماً مثل أراضي 48.

يستنتج من ذلك: أولاً، إن النقطتين الأخيرتين هما أهم متغيرين، بين خمسة متغيرات، في العلاقة بين إسرائيل والضفة الغربية، منذ الاحتلال عام 1967، وحتى أهم متغيرين، بعد اتفاق أوسلو.

ثانياً، لم يعد ثمة وظيفة للسلطة الفلسطينية عند إسرائيل سوى إدارة "السكان" الفلسطينيين في الضفة، مع وجود قوة أمنية فلسطينية تصبّ في خدمة سياسة إسرائيل الأمنية، أي كدريئة عنها.

والفكرة أن إسرائيل تحتفظ بالسلطة الفلسطينية كي تحمل عنها عبء المسؤولية السياسية والمالية والأمنية والأخلاقية عن السيطرة على الفلسطينيين تحت الاحتلال؛ ومن الواضح أن إسرائيل لم تفكر في الذهاب في تلك الاتجاهات لولا وجود حكومة المتطرفين على رأس حكومتها، ولولا وجود إدارة أميركية متماهية معها تماماً، ولولا الأوضاع الدولية، والتحولات الجارية في المشرق العربي.

حال الضفة ليس أفضل من حال غزة؛ هذا هو حال الفلسطينيين اليوم في هذه الظروف.