مسقط، مفاوضة الإكراه، فهل تحتاج طهران للحرب؟

كتاب النهار 12-02-2026 | 04:03
مسقط، مفاوضة الإكراه، فهل تحتاج طهران للحرب؟
في هذه المفاوضات يصبح تسلسل المساومات وترابطها أهم من "المبادئ" التفاوضية: ما هو الموضوع الذي يبحث أولاً؟ وكيف يمكن التراجع في منتصف المفاوضات عما تم التوافق عليه سابقاً؟
مسقط، مفاوضة الإكراه، فهل تحتاج طهران للحرب؟
إسرائيل جزء عضوي من المفاوضات الإيرانية- الإسرائيلية. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في لوحة مفاوضات مسقط، ترتسم الدراما الإقليمية بكل أبعادها! نشاهد شكلياً إشارات إيجابية، لكنها تخفي ضمناً خلافات عميقة، إذ لا تعرف طهران ما سيقبله ترامب؛ هل سيقبل اتفاقاً موقتاً ضيقاً، أم أنه سائر لا محالة الى "تسوية الوضع بمجمله"؟

ناهيك بالاختلاف على نمط الحل وأبعاده، افتتحت نافذة الديبلوماسية بين أميركا وإيران بأجندة فارغة. وفيما يظهر الطرفان رغبةً في استمرار "المحادثات"، يحاول كل منهما رسم حدوده.

يصف عراقجي الجلسة الأولى بالـ"إيجابية"، و"البداية الجيدة"، لكنه يسارع الى تثبيت قيدٍ حاكم: "موضوع محادثاتنا نووي بحت". وفي المقابل، تشير التقارير إلى أن واشنطن لم تُخفِف إصرارها على طيف المحادثات: الصواريخ والوكلاء وملفات حقوق الإنسان.

أمام هذا التناقض لا تشكل محادثات مسقط مفاوضات للـ"الحدّ من التسلح" بقدر ما هي إدارة للأزمة بوسائل تفاوضية تحت الضغط: محادثاتٌ لتجنّب الانفجار الآن، وإكراهٌ وتصعيد لإجبار الطرف الآخر على تقديم ثمنٍ لاحقاً.

يتبلور لدينا إذاً سؤال أقلّ رومانسية: ما الصفقة الممكنة في بيئة الانعدام الشديد للثقة، حيث يخشى كل طرف تحول أي تنازلٍ اليوم، إلى ورقةٍ لا قيمة لها غداً؟

حتى في التفاوض القسري، تدور الحلقة الأولى حول تعريف المشكلة. تريد طهران حصرها بالملف النووي، وتريد واشنطن تسوية المعضلة الإيرانية مرة نهائية، مدفوعةً بتحالفاتها وبالردع الاستراتيجي المنشود.

بل ترى واشنطن أن الملف النووي تحصيل حاصل، وهو قاعدة للانتقال نحو القضايا الأخرى، لكن طهران تجده نهاية المطاف.

بحسب عراقجي، ترفع طهران قرار التخصيب من مجرد قضية تقنية، إلى رمز سيادي. لكن واشنطن لا تناقش من منطق الحقوق، بل من منطق الإكراه الاقتصادي أو حتى العسكري.

وبحسب "ذا ناشيونال"، تلوح واشنطن بآليات عقوبات جديدة - 25% - على واردات الدول التي تشتري سلعاً إيرانية "مباشرة أو غير مباشر"، لتطاول الأطراف الأخرى المتعاملة مع إيران.

يحمل هذا النهج منطقاً بسيطاً: خفض هوامش المراوغة المتاحة لإيران ورفع حرج جداً لتكلفة اللعب الإيراني على الزمن.

من جهتها، ورغم تعايش إيران مع العقوبات، فإنها تتوجس من احتمال استمرارها رغم تقديم إيران للتنازلات. في هذه الحالة إما أن تفضل طهران صفقةً قصيرة الأمد، وإما أن تُطيل التفاوض بما يتيح شراء الوقت وتدبير الأكلاف. لتبرز المعضلة الأعقد في هذه المفاوضات! فحتى لو أمكن التوافق على الأجندة، وهوامش للمساومة العلنية أو المستورة، تبقى المعضلة في ضعف الضمانات المستقبلية.

في هذه المفاوضات يصبح تسلسل المساومات وترابطها أهم من "المبادئ" التفاوضية: ما هو الموضوع الذي يبحث أولاً؟ وكيف يمكن التراجع في منتصف المفاوضات عما تم التوافق عليه سابقاً؟

يمكن تصور أن يتم الاتفاق على "الحد في مقابل التخفيف": سقوفٌ واضحة للبرنامج النووي ومخزون اليورانيوم، توسيعٌ للمراقبة والتحقق، في مقابل تخفيفٍ جزئيّ محددٍ للعقوبات مصمم بحيث يمكن التراجع عنه سريعاً إذا انهار الامتثال. بهذا المعنى لن تتمكن هذه الصفقة من إنهاء النزاع لكنها تُدير مخاطره.

لكن خارج تقنيات التفاوض، من الواضح أن كلا الطرفين لا يتفاوضان مع بعضهما فحسب، بل يتفاوضان مع جمهورهما.

يفرض الداخل الأميركي إيقاعاً قصيراً وسريعاً: رغبة في "إنجازٍ مرئي يحفظ ماء وجه ترامب". وتفرض الساحة الإيرانية: خطاباً سيادياً لـ"التخصيب" و"الصمود" أمام الضغوط، وحساسيةٌ من أي تنازلٍ قد يبدو مجانياً.

والأهم أن الطرفين يتواطآن في تجاهل مفضوح لإخفاد ذلك: "المحرم الذي لا يريد أحد لمسه", وهو أن إسرائيل جزء عضوي من هذه المفاوضات.

تكمن مصلحة إسرائيل، إما في تسوية مخاطر إيران الإقليمية بشكل تام، من النووي والصواريخ أو الأذرع، وإما في اتفاق يهدئ الساحة لكنه لا يخفف الضغوط ويبقى اليد على الزناد.

إنها فرصة تاريخية لإسرائيل لتغيير السياق الاستراتيجي للصراع الإقليمي. فلقد اصطفت النجوم بشكل لم يسبق له مثيل لصالحها، بحيث أطلقت كل القوى الدولية يدها لتستكمل التصفية الهيكلية لـ"جبهة المقاومة". لذلك، فإنها تصر على استكمال إغلاق المخاطر الاستراتيجية الإيرانية المباشرة. سوى ذلك، تخسر فرصتها التاريخية وتكون كل انجازاتها بعد السابع من أكتوبر، مجرد إغلاق لدورة من الصراع، تمهيداً لدورة وشيكة!

يقول عراقجي إن "قنبلتنا الذرية هي القوة التي تقول لا للقوى العظمى". قد يُحسن هذا النوع من الإشارات السمعة الداخلية للنظام، لكنه يزيد بقدر كبير من التحفظ الأميركي والتصميم الإسرائيلي، ويفتح احتمالات أن تتحول الحوادث البحرية أو نشاط الوكلاء إلى شرارة تشعل الصراع بشكل منفلت.

من وجهة نظر التكنوقراط المحيطين بالرئيس بزشكيان، فإنهم يعانون من تصلب مفاصل البنية العقائدية للدولة، والمحدودية الكبيرة في قدرتها على التكييف، خصوصاً في ظل الحلقة الجديدة للعقوبات الأميركية، فيما يوغل النظام السياسي في الضبط القسري للاقتصاد والمجتمع.

تحمل هذه العوامل ملامح هشاشة هائلة كامنة: تشددٌ داخلي إيراني، يرفع تكلفة الخطأ، ويزيد تشوه المعلومات، ويجعل التراجع أكثر صعوبة.

بالمقابل، يعرف ترامب تكلفة أن يبدو مخدوعاً أمام جمهوره! ليس لأنه رفع السقف التفاوضي، بل لأن أي اتفاق راهن ستتم مقارنته حتما باتفاق أوباما 2015.

عندئذ، سيكون عليه جبه منتقديه ليس في إسرائيل فحسب، بل من كل الطيف الممتد من الديموقراطين الذين سيقارنون أي اتفاق باتفاق أوباما، وصولاً الى تيارات جمهورية وازنة ترى في اتفاقٍ نووي جزئي تنازلاً يترك الصواريخ والوكلاء، خارج القيد. عندها سيسعى المعارضون معاً الى تعطيله سياسياً أو ميدانياً.

وإذ يعلن نتنياهو أن على إسرائيل أن تستقل عسكرياً عن أميركا خلال خمس سنوات، وإذ يعلن مسؤولوه الأمنيون أن أي اتفاق لا يراعي مصالح إسرائيل "لا قيمة له"، لعل ترامب يتوقع ما سيسمعه من نتنياهو في زيارته المقبلة لواشنطن: لن تكون إسرائيل ملزمة التهدئة مع إيران في الإقليم، ما لم تلبّ مطالبها! وإذ تملك إسرائيل الكثير من الأوراق على الأرض، فإنها قد تحرم ترامب قطاف مكاسب "اتفاقات السلام" أميركياً وإقليمياً.

ترجّح الأوساط المالية الدولية احتمالات المواجهة والتصعيد بـ 75٪ وذلك في غياب آليات لضمان التزامٍ دائم، ليعود الصراع الى دورته من جديد: تهدئةٌ ثم توتر، مع صدماتٍ مفاجئة — مالية أو سياسية أو عسكرية — تعيد خلط الأوراق.

لذلك، بعد 25 عاماً من التفاوض، صارت الأوراق مكشوفة والطريق واضحة. ليصبح السؤال: هل تحتاج طهران للحرب؟