النّاس كأعراض جانبيّة
ظلت أشكال الهيمنة الحديثة، على الأقل في نسختها المعدلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، دائماً ما تضع اعتباراً لفكرة العقد الاجتماعي، حتى في حالة السيطرة المباشرة. كان الناس أو السكان جزءاً من أي منظورٍ للحكم محلياً ودولياً. لكن ما يجري اليوم في أكثر من مكانٍ يبدو أنه انزياح نحو شكل جديد قاسٍ للهيمنة، ينظر إلى الأرض والاستراتيجية من منظور تجريدي بارد، متجاهلاً البشر الذين يعيشون على تلك الأرض. ويظهر هذا الانفصال المقلق بوضوح في أزمتين مختلفتين تماماً، لكنهما متقاربتان أخلاقياً، تدمير غزة وتحويل غرينلاند إلى سلعة استراتيجية. ففي كلتا الحالتين، يُعامَل مصير السكان على أنه مجرد إزعاج. وهي بوادر تحول نحو نظامٍ تُهيمن فيه القوة، ويُنظر فيه إلى الضعفاء كعقباتٍ يجب إزالتها.
فقد تطورت الهيمنة الحديثة من صراعات الحرب الباردة الأيديولوجية إلى سعيٍ حثيثٍ ونفعي وراء المكاسب الاستراتيجية. في هذا النظام الجديد، لم يعد الشعب فاعلاً في التاريخ، بل ضحيةً جانبيةً له. ولعلّ هذا يتجلى بأبشع صوره في قطاع غزة حيث اختُزل تحديد مصير القطاع إلى ثنائيةٍ بين الأمن والهندسة الديموغرافية، يحدد شكلها ومصيرها رجل واحد لم تطأ قدمه أرض غزة، من دون أدنى اعتبارٍ لألاف المدنيين العالقين في الركام. غالباً ما يركز الخطاب المحيط بالصراع على الحدود والأنفاق والتهديدات الوجودية، بينما يُعامل الواقع المباشر للمجاعة والنزوح والتدمير الممنهج كقضيةٍ ثانوية، وفي أحسن الأحوال كعقبةٍ لوجستيةٍ. وعندما تُقاس أرواح الرجال والنساء والأطفال بالأهداف الجيوسياسية، فإن ذلك يُشير إلى تجريدٍ عميقٍ من الإنسانية. فقد أصبح سكان غزة مجرد مشكلة يجب إدارتها أو نقلها، ما يدل إلى شكل من أشكال الهيمنة المرتاحة تماماً للتضحية بوجود البشر وكرامتهم على مذبح المصالح.
في المقابل، يكشف الوضع في غرينلاند عن شكل أقل دموية، لكنه لا يقلّ تجريداً من الإنسانية، من أشكال هذه الهيمنة، مداره تسليع الأرض والبشر. فبينما تتنافس القوى العالمية للسيطرة على القطب الشمالي، تحوّلت غرينلاند من موطنٍ يتمتع بالحكم الذاتي لشعب عانى طويلاً الاستعمار، إلى إحدى جبهات الصراع الدولي الشرس حول الموارد والمسارات، حيث تتجاوز القيمة الاستراتيجية لمعادن الجزيرة القطبية وعناصرها الأرضية النادرة وموقعها الجغرافي حق شعبها في تقرير مصيره. فمعظم الجدل والصراع لا يدور حول ما يريده شعب غرينلاند لمستقبله، بل حول ما تحتاجه الإمبراطوريات الخارجية لهيمنتها، فيما يُعامل السكان كعائق أمام استخراج الموارد أو كسكان مستأجرين يجب التفاوض بشأنهم، ما يجردهم من قدرتهم على الفعل ويختزلهم إلى مجرد موجدٍ من موجودات الجزيرة الثرية.
ربما تبدو المقارنة بين غزة وغرينلاند ليست في محلها لجهة الثمن والكلفة والمصير، ولكن كليهما يعبران عن فكرة طمس الإنسان من حسابات شكل الهيمنة الصاعد. فالهيمنة اليوم مجرد قسوة متخفية وراء قناع البراغماتية، تزعم أن المصالح الاستراتيجية والأمن القومي والهيمنة الاقتصادية هي المعايير الوحيدة المهمة. على عكس الهيمنة القديمة التي كانت تضع على الأقل فكرة المصلحة الإنسانية في اعتبارها. وسواء أكان ذلك من خلال العنف الوحشي للحرب أو العنف البنيوي للطموح الاستعماري، فإن الرسالة واحدة، وهي أن الناس مجرد أعراض جانبيةً، في غزة، يُسحقون حتى الخضوع، وفي غرينلاند، يُتجاهلون ويُسكتون. لكن مخاطر هذا التحول تكمن في أنه لن يقف عند غزة وغرينلاند. فعندما يُحدّد الأقوياء مصائر الأمم من دون مراعاةٍ لشعوبها، يتحوّل كل غير قوي إلى هدفٍ مشروع وفقاً لهذا التفكير المهمين الجديد. وربما ننجرف نحو جغرافيا سياسية ما بعد إنسانية، يخاطر فيها العالم بالعودة إلى عصور التوحش والافتراس.
نبض