.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في موسكو، لا يبدو الحديث عن مفاوضات أميركية–إيرانية مدعاة للاطمئنان. على العكس، تتعامل القيادة الروسية معها بوصفها مقدّمة محتملة لضربة عسكرية؛ ليس لأن روسيا ترفض الديبلوماسية من حيث المبدأ، بل لأنها ترى في سلوك واشنطن نمطاً مألوفاً، يكاد يتطابق مع ما عاشته هي نفسها قبل الحرب في أوكرانيا.
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لم يُخفِ قناعته بأن الشرق الأوسط يقف فوق «حقل ألغام»، وأن أي خطوة غير محسوبة قد تشعل انفجاراً واسعاً. لكن ما يقوله لافروف، ويكرّره مسؤولون روس آخرون بشكل شبه يومي، يتجاوز التحذير العام: موسكو شبه واثقة بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتجه نحو توجيه ضربة لإيران، وأن المفاوضات ليست سوى مرحلة تمهيدية، أو غطاء سياسي وأخلاقي لما قد يأتي لاحقاً.
في الذاكرة الروسية القريبة تجربة لا تزال حاضرة بقوة. قبل أربع سنوات، حشدت موسكو قواتها على حدود أوكرانيا، فتحت باب الحوار، خاضت مفاوضات مطوّلة، وطرحت مطالب أمنية وسياسية كانت تعرف مسبقاً أن كييف غير قادرة على تلبيتها. في الظاهر، كانت الديبلوماسية قائمة. في العمق، كان الاستعداد للحسم العسكري جارياً. وحين فشلت المفاوضات، جاءت الحرب التي اعتُبرت حينها «نزهة» قصيرة.
اليوم، ترى موسكو المشهد نفسه يتكرر بين واشنطن وطهران. مجرد الدخول في مفاوضات لا يعني بالضرورة وجود نية حقيقية للتوصل إلى اتفاق. قد يرغب ترامب في إثبات أنه استنفد كل الخيارات الديبلوماسية قبل اللجوء إلى القوة، وأن إيران هي من رفضت التجاوب. في المقابل، يسعى المرشد الإيراني علي خامنئي إلى منع ضربة أميركية وكسب الوقت، لا أكثر.
حتى شكل المفاوضات يعزّز هذا الشك. فالمحادثات المعقّدة من هذا النوع تُدار عادة بسرية تامة، كما حصل خلال مفاوضات إدارة باراك أوباما التي استمرت نحو عامين وأفضت إلى اتفاق 2015. أما اليوم، فالمفاوضات تُدار علناً، وسط تسريبات وتغريدات وتصريحات متناقضة، في ما يشبه وصفة جاهزة للفشل.
التقلّبات التي رافقت إعلان واشنطن إلغاء المحادثات ثم التراجع عنه خلال ساعات، بعد استفزازات عسكرية إيرانية ومحاولات احتجاز ناقلات نفط، عكست ارتباكاً واضحاً داخل الإدارة الأميركية وضغوطاً متضاربة. كما كشفت أن ترامب، في مرحلة «ما قبل المفاوضات»، قدّم تنازلات إضافية: تخلى عن خطاب إسقاط النظام، وقَبِل بنقل مكان التفاوض من إسطنبول إلى مسقط، استجابة للمطلب الإيراني.
لكن في القراءة الروسية، لا يعني ذلك تراجعاً عن خيار الحرب، بل إعادة تموضع. الولايات المتحدة تريد اتفاقاً شاملاً يشمل النووي، الصواريخ الباليستية، النفوذ الإقليمي، وسلوك النظام داخلياً. إيران، في المقابل، لا تريد سوى نقاش محدود حول كمية اليورانيوم المخصّب، مع التمسك بحق التخصيب نفسه. فجوة يصعب ردمها.
ترامب يريد اتفاقاً سريعاً، وإيران تراهن على الوقت. وهنا تحديداً ترى موسكو الخطر: حين ينفد الوقت، وتُستنفد المفاوضات علناً، يصبح الخيار العسكري أكثر قابلية للتسويق داخلياً ودولياً. تماماً كما حدث من قبل.
من هذا المنظور، لا تحذّر روسيا من انفجار محتمل فحسب، بل تقرأ المسار بكامله كطريق معبّدة نحو الضربة، أيضاً. والمفاوضات، في هذه القراءة، ليست بديلاً عن الحرب، بل إحدى مراحلها.