120 ألف انتصار جديد في غزة

كتاب النهار 07-02-2026 | 06:12
120 ألف انتصار جديد في غزة
يحق لنا جميعاً اتخاذ موقفين قد يبدوان - للوهلة الأولى - متناقضين حيال هذه الآلاف المؤلفة من الأرواح...
120 ألف انتصار جديد في غزة
أطفال يتفاعلون باكين أثناء نقل جثامين ضحايا فلسطينيين قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة في 4 فبراير 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

تزعم إحدى الإحصائيات المتداولة حالياً أن عدد المواليد الجدد في غزة خلال سنتي الحرب الدمويتين بلغ 120 ألفاً، وتزعم أنه تخطّى حتى معدلات الإنجاب السنوية في ما قبل الحرب.

ولا تعنيني هنا الإشارة إلى أن إحصائيات ما قبل الحرب كانت تقدّر عدد المواليد في القطاع بـ55 إلى 60 ألفاً تقريباً في السنة، ما يجعل مولد 120 ألفاً خلال عامين رقماً متوقعاً وغير لافت. ولا يعنيني أيضاً التشكيك في حقيقة ولادة 120 ألفاً، حتى بعد تقرير "صندوق الأمم المتحدة للسكان" عن الانخفاض الحاد والخطير في نسبة المواليد في غزة بواقع 41% مقارنةً بالسنوات الثلاث السابقة، واقتصارها على 17 ألف ولادة فقط في النصف الأول من 2025.

ولكن يهمّني التذكير بأنه يحق لنا جميعاً اتخاذ موقفين قد يبدوان - للوهلة الأولى - متناقضين حيال هذه الآلاف المؤلفة من الأرواح.

الموقف الأول قد لا يكون مؤيداً بالضرورة للإنجاب في ظل الظروف الإنسانية المزرية في غزة، ولكنه موقف محايد متعقل، ويرفض التنظير على ساكني الخيام والأنقاض. إنه موقف يتفهّم أن الغزاويين المنكوبين يعيشون معركة مصيرية من أجل الاستمرار ... بالمعنى الحرفي، فالإنجاب أصبح سبيلهم لتعويض أطفالهم الذين خسروهم على مدار العامين الماضيين، وهي حيلتهم لتفادي المصير المرعب لعائلات استشهدت عن بكرة أبيها، ولم يبق منها ناجٍ يحمل شعلة اسمها ويضمن اتقادها.

بإمكانك دائماً أن تحترم حرية الغزاويين هذه في التكاثر، وأن ترفع شعار "الله يلوم اللي يلومهم"، فالإنجاب لم يعد خياراً أو رفاهية لديهم بعد سقوط أكثر من 71 ألف ضحية.

وبإمكانك أيضاً، في الوقت ذاته، أن تتخذ موقفاً ثانياً معادياً ومحتقراً لمن يحتفلون بهذه الإحصائيات، وهم على الأرجح من ألّفها، ورشّ عليها من "بهارات" مبالغته وتهويله. إنها الأصوات الإخوانية والإسلاموية العفنة التي تتحدث اليوم عن "صدمة" المسؤولين الإسرائيليين الشديدة من ارتفاع المواليد في غزة - والارتفاع غير مؤكد أساساً - وتعتبر ولادة 120 ألفاً - والرقم مشكوك في صحته أساساً - دليلاً آخر على خروج القطاع "ظافراً" من المجزرة.

إن البون شاسع، وشاسع للغاية، بين من دفعته غريزة البقاء البشرية العنيفة لأن يُنجب، حتى وإن كان لا يأمن نزول الصاروخ فوق رأسه أو انفجار الألغام تحت قدميه، لأنه يجد سلالته بأكملها مهددة بالانقراض، وبين من لا يدفعه أي خوف شخصي عميق من الفناء والاندثار، بل يضع "رجلاً على رجل"، ويطبّل ويهلل من بعيد للولادات في غزة، فعقله المؤدلج ينتشي بهذه "الانتصارات" الوهمية.

افرحوا بالـ120 ألف مولود - إذا صدقت الأرقام أساساً - وآمل من كل قلبي أن يمثّل كل مولود منهم عوضاً جميلاً وسبباً للتعافي للعوائل الغزاوية الناجية.

ولكن لا تسمحوا للإسلامويين بأن يتظاهروا بمشاركتكم البهجة والسعادة، وبأن يدعوا الله لأن "يزيد ويبارك"، فوالله ما الغزاويون، برُضّعهم وأطفالهم، إلا أرقام بالنسبة لهؤلاء.