.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في عالم متعدد القطب، وبحسب وثيقة الأمن القومي لإدارة دونالد ترامب، تتصدى الولايات المتحدة لأولويات حرجة وخطرة لمواجهة منافسيها المتكاثرين. لكن من الواضح، أن الشرق الأوسط لم يعد أولويتها! رغم أنه يبقى حيوياً لاكتمال خريطتها العاثرة.
لتحقيق ذلك، تخفف واشنطن ثقل حضورها الفيزيائي في الإقليم، وتعتمد هندسة "الإدارة عن بعد" للفوضى الإقليمية، وتفويض حلفائها المتحاربين وتقسيم العمل والمكاسب والحصص بنيهم، بعيداً من "وهم" تصفية الصراعات المدمرة والأبدية, بل يتصور ترامب إبقاء صراعاتهم الشرسة تحت سقف مصالحها العليا.
إذاً هو "الاستقرار المُفوَّض"، عن بعد، تحت مبدأ "تقاسم الأعباء"، وتوزيع المرابح والدماء بين الحلفاء, لتبقى أميركا ممسكة بخيوطٍ تكنولوجية ومالية واستخبارية، بقدرات متقدمة، واستخبارات وتمكين عملياتي، وخيار تدخل حاسم عند الضرورة، لتدفع حلفاءها المتصارعين إلى الواجهة. لذلك ستُخفِّف واشنطن ثقلها المباشر، لا لأنها فقدت اهتمامها، بل بهدف توزيع التكلفة والالتفات نحو المسارح الأكثر حسماً.
سبق لأميركا أن فعلت ذلك! إذ اعتمد نيكسون 1969 "مشاركة الحلفاء" في العبء الاستراتيجي المباشر. وكذا فعلت بريطانيا بانسحابها من "شرق السويس" أواخر الستينات...
نعم، بعدما صارت أميركا ذاتها مصدّرة للنفط، وتراجعت حساسيتها لمصادر الطاقة، تراجعت مركزية الشرق الأوسط! لكن رغم انتقال المنافسة الكبرى إلى التكنولوجيا وسلاسل الإمداد البحرية الأبعد، تبقى أميركا مهتمة بحماية إسرائيل، ومنع سيطرة القوى المعادية على نفط الخليج العربي، وضمان أمن طرق الملاحة البحرية. ما يريده ترامب أن يترك لحلفائه تدبير حروبهم "الأبدية" في ما بينهم من دون أن تضطر أميركا للتدخل، لتُصبح دول الخليج العربي أكثر من مجرد "مستفيد أمني"، بل مزوّد أمني في الخطوط الأمامية: دوريات بحرية، ردعٌ صاروخي و... استراتيجي.
وفيما تذكّر هذه الهندسة بتجربة "الركيزتين" التي اعتمدت على القوى الإقليمية في السبعينات لحماية الخليج، إلا أن ركائز سياستها اليوم لا تُبنى على النفط وحده، بل على التكامل العسكري والتقني، وعلى شبكات القيادة والسيطرة وعقود تصنيع مشتركة. تُعيد هذه الاستراتيجية، تعريف موقع المنطقة بوصفها ساحة للصراع والتنافس مع الخصوم الدوليين في سياق تحويل الدول الحليفة لها منصة اقتصادية تُدرج الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي وتقنيات الدفاع كميادين شراكة، ودعم طموح دول الخليج العربي لتصبح مراكز لوجستية ومالية، توظف صناديقها السيادية أدوات للنفوذ. تلك كلمة السر في "صفقة الاستثمار" الإقليمي بهدف التنويع الاقتصادي، وتعزيز القاعدة الصناعية، والذكاء الصناعي، وأشباه الموصلات والطاقة البديلة، كسندٍ بديل من مرونة سلاسل التوريد. ليصير المال في قلب الديبلوماسية بعدما كان ملحقاً بها.
بذلك تتحول التكنولوجيا، في المقابل، إلى ورقة ضغط لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات. وتُستخدم ضوابط التصدير - خصوصاً في شرائح الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة - أداة تفاوض حول الثقة والامتثال والاصطفاف.
وتكشف الحلقات التنظيمية نشر منصات "الذكاء الاصطناعي" طبيعة المساومات الجديدة بين دول الخليج والولايات المتحدة لتصبح الشراكات الكبرى مثل مايكروسوفت في G42 لتؤكد هذه الفكرة، بوصف التبادل التقني اختباراً للثقة والضمانات، وليس مجرد صفقة تجارية صامتة.
لكن هيهات!
ففي شرقنا الأوسط، تتربص شياطين كثيرة في تفاصيل هذه اللوحة الترامبية التخيلية، إذ تعاني هندسة ترامب من ثقوب عديدة كونها تفترض عالماً مثالياً يحكمه التسيّد الأميركي المطلق.
1. الثقب الأول: أن عالماً متعدد القطب حلّ محل عالم الحرب الباردة! حيث لا يزال تقسيم العمل والأدوار والنفوذ وقواعد الصراع بين الكبار بعيداً كل البعد عن الحسم بين الكبار.
2. الثقب الثاني، مفارقة التفويض: وفي حين تريد واشنطن من الشريك الإقليمي تحمل العبء، وأن يسمح لها الشريك بتدقيق كل مفاصله التقنية، والإشراف الثقيل للتحقق من الامتثال والتنسيق الدائم، فإنها لا تقدم في مقابل ذلك أي ضمانات استراتيجية أمنية لتعويض الاعتماد على خصومها الدوليين.
3. الثقب الثالث، ضيق طيف الديبلوماسية الأميركية: فهندسة كهذه تتطلب انخراطاً أميركياً كثيفاً في الإقليم لا تؤمنه ديبلوماسية "المعاملات السريعة" التي يعتمدها ترامب في ظل تُزاحم الأولويات الإقليمية والدولية وبعضها عكس بعض.
4. الثقب الرابع، ضعف المردود بالنسبة للحلفاء الإقليميين. إذ تطالب واشنطن حلفاءها بأن يتحملوا هم المسؤولية الروتينية في الردع والدفاع، بينما تحتفظ هي بحق "إجراءات مركزة وحاسمة" عندما تُمس مصالحها. الأمر الذي يخلق نموذجاً عملياتياً خطِراً جداً على الإقليم؛ فالضربات الأميركية القصيرة والحادة وارتدادها (الصواريخ والمسيّرات، والهجمات السيبرانية، أو تعطيل المضائق) يقع أولاً وأخيراً على الشركاء في الصف الأمامي. وعلى عكس "عقيدة كارتر" 1980 التي ربطت أمن الخليج بمصالح أميركا الحيوية، لا تعد العقيدة الجديدة بحرب طويلة لحماية تدفق الطاقة، بل تُفضّل إدارة المخاطر عبر ردع موضعي وتحالفات أكثر اعتماداً على الذات.
5. الثقب الخامس والأهم: تبقى الصراعات الإقليمية العميقة كالجمر تحت التراب، إذ تتجاهل استراتيجية ترامب عمق الصراعات والتنافس المستميت بين الأعمدة الاستراتيجية الإقليمية الأربعة. فيما تحجم عن إقامة منظومة استقرار طويلة الأمد. بذلك تبقى الصراعات وتنفجر بشكل متواتر جداً في سياق أزمات الشرعية، وأزمات الحقوق، والصراعات على الساحات والأدوار والنفوذ. وسيكون ترامب واهماً إن ظن أنه يستطيع ضبطها بهكذا استراتيجية.
وبعدما فشلت في بناء الدول، وفي نشر الديموقراطية بالدبابات في الإقليم، تعلمت دول الخليج العربي، بالخبرة لا بالمحاضرات ولا بـ"النيات الطيبة"، أن أميركا النزقة دوماً، سرعان ما تدير ظهرها وتمضي، فيما تطالبها بمزيد من الإنفاق الدفاعي، والتكامل الاستراتيجي في الدفاع الجوي والصاروخي والبحري، وفيما تبقى هي ذاتها مكشوفة على شتى المخاطر الإقليمية والدولية.
بل تتدخل الولايات المتحدة بكثافة في علاقات الإقليم مع الصين وروسيا، لتضمن بقاء القطاعات الاستراتيجية الحساسة خارج مطال خصومها الدوليين. فالتفويض يحتاج إشرافاً، والإشراف يحتاج وقتاً، والوقت هو المورد الأندر في عاصمة تُغيّر أولوياتها بسرعة الأزمة.
رغم هذه الثقوب، ورغم هوامشها الضيقة القلقة، يقامر ترامب بإعادة لخبطة الهندسة الإقليمية: خطأ حساب واحد في البحر أو الفضاء السيبراني يرفع بشكل هائل تكلفة التفويض بالنسبة لدول الإقليم.
وهيهات، ما بين رغبة واشنطن في الانسحاب من التفاصيل، وحاجتها إلى ضبطها، بل تكاد الديبلوماسية أن تصبح مستحيلة!