.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
كان ذلك في الخمسينيات، منتصفها أو أقله قليلا، أو أكثره قليلا. وبيروت في كل صبوتها، مشعة مثل بدر وادي التيم، مثل بنات الأشرفية. بيتنا كان في هذا الجوار المسمى "الحيّ" تأكيدا لشرعة الإلفة. وفي الحيّ كنت تشاهد كل صباح شلل التلامذة الذاهبين إلى المدارس على أنواعها: الراهبات والروم والمعارف والبروتستانت و"مدرسة الله" مرة واحدة، وهي الأصغر مساحة بين مدارسه تعالى.
بين الذاهبات إلى مدرسة الراهبات كل صباح، كانت شقيقتان فارهتان تتأبطان كتبهما وتسرعان الخطى كأنهما في عرض للرقة والأنفة. الأولى كانت فينوس عبد الساتر، وسوف تصبح الشاعرة فينوس خوري غاتا، والثانية الأديبة مي منسى.
كانت بيروت ذلك الزمان أخوية اللغة الفرنسية وآدابها. ومن أجل التميز كان يجب أن تكتب بالفرنسية وأن تذهب الى باريس وتبعث من هناك برسائل أو مقالات أو قصائد، تتحدث فيها عن الضفة اليسرى ومقاهي السان جرمان وأغاني جولييت غريكو، وسجائر "الجيتان".
وأن تكون يساريا ومتمردا ووجوديا تعتمر "البيريه"، موضة الحرب التي لا تزال أغانيها تغنى على الضفتين، ومعها مظلة مصفحة للشتاء مغوية للصيف، حين تتحد الفصول ويكثر لاعبو الأكورديون. أتقنت الشاعرة الآتية من بيروت حب المدينة والحنين إلى كوابيس بيروت معا، وضاعت حتى اللحظة الأخيرة بين المتاهتين: متاهة الجمال الذي لا يمكن أن يصير وطنا، ومتاهة الوطن الغريب. باريس كانت طوال عقود، الوطن الموعود. مهجر قريب وتوأمة لغوية وعادات متشابهة وإغواء ثقافي ولا نهائي.