.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
الاعتراف الصادم من جانب مارك روته الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، الأسبوع الماضي، بأن أوروبا لا تستطيع الدفاع عن نفسها من دون أميركا، كشف عن مدى ارتهان القارة العجوز استراتيجياً للسياسة الأميركية وتقلباتها الحادة. هذه التبعية لا تعني فقدان "الاستقلالية" فحسب، بل غياب الرؤية أيضاً، والمخاطرة بتحول أوروبا من لاعب دولي إلى ساحة تنافس بين الكبار!
يوسّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجال التدخل المباشر، بلا حدود ولا قيود ولا قواعد. اعتقل رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو. هدد بضم كندا كولاية أميركية واجتياح المكسيك. طالب الدنمارك - عضو حلف الناتو - بالتنازل عن جزيرة غرينلاند، لدواعي الأمن القومي، ما يهدد بذبول "الحلف" الدرع الحامية لأوروبا، ما قد يدفع جانبي الأطلسي إلى "حالة عداء" غير مسبوقة، لا سيما أن ترامب أعلن تحويل "مبدأ مونرو" الشهير في السياسة الخارجية الأميركية إلى "مبدأ دونرو" نسبة إليه (دونالد)، ويعني رفض أي تدخل أوروبي بشؤون دول الأميركيتين، الشمالية والجنوبية، مقابل تخفف واشنطن من التدخل في الشؤون الداخلية أو الحروب الأوروبية.
في المقابل، لا تبدو أوروبا في أحسن حالاتها. تمر باختبارات عسيرة، منذ الأزمة المالية العالمية، ثم أزمة ديون منطقة اليورو، وصولاً إلى الحرب الروسية - الأوكرانية وغيرها، وهي اختبارات تكشف عن تراجع ثقة القارة بنفسها، وعجزها عن التحول من تجمع اقتصادي ناجح إلى قوة جيوسياسية فاعلة. مسارات هذا العجز مؤشر إلى خلل بنيوي في المشروع الأوروبي، ما يطرح علامة استفهام أمام الإرادة السياسية للأوروبيين، في عالم تتعقد تحالفاته، ويتغير بسرعة لا مثيل لها تاريخياً.
في كتابه "موت أوروبا الغريب"، يضع الكاتب دوغلاس موراي يده على عدة عوامل تسهم في جعل أوروبا قارة تعيش "حالة انتحار"، إذ انخفضت معدلات الولادة، وازدادت الهجرة الجماعية، وتراجعت مستويات الثقة بالنفس، وترسخت الكراهية الذاتية، وصعد اليمين المتطرف، وفشلت التعددية الثقافية، وهذا برأيه يجعل الأوروبيين غير قادرين على مناقشة أنفسهم ولا مقاومة التغيير الشامل الخاص بهم كمجتمع.