.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
كلما اشتدت الضغوط الدولية على إيران، يعود إلى التداول تشبيه يبدو للوهلة الأولى منطقياً ومغرياً: هل تتجه طهران إلى مصير فنزويلا؟ دولة نفطية خاضعة للعقوبات، اقتصاد مأزوم، عملة متراجعة، ومواجهة سياسية مفتوحة مع الولايات المتحدة. غير أن هذا القياس، رغم جاذبيته الإعلامية، ينهار سريعاً أمام أي فحص تحليلي جاد؛ فالتشابه السطحي لا يصنع سيناريوهات متطابقة، واستدعاء التجربة الفنزويلية بوصفها نموذجاً جاهزاً للحالة الإيرانية يعكس تبسيطاً مخلاً لمشهد شديد التعقيد.
في فنزويلا، جاءت العقوبات الأميركية في لحظة ضعف بنيوي حاد، فأصابت مباشرة العمود الاقتصادي الوحيد للدولة: النفط. ومع الانهيار المتسارع لشركة النفط الوطنية وتآكل مؤسسات الحكم والإدارة، فقدت الدولة قدرتها على ضبط الاقتصاد أو إدارة المجتمع، فانزلقت سريعاً إلى حالة انهيار شامل. أما إيران، فقد واجهت العقوبات على نحو مختلف تماماً. عقوبات طويلة الأمد، متراكمة عبر عقود، دفعتها إلى تطوير نمط خاص من التكيّف، أُطلق عليه داخلياً “اقتصاد المقاومة”. هذا الاقتصاد ليس نموذجَ نجاح، لكنه منظومة صمود: شبكات التفاف، تجارة إقليمية، قنوات غير رسمية، وقطاعات شبه موازية أبقت الدولة واقفة، وإن كانت مثقلة بالتكلفة الاجتماعية والاقتصادية.
العقوبات في الحالة الإيرانية لم تُسقط الدولة، بل أعادت تشكيلها. بدل الانهيار الكامل، أفرزت مراكز قوة جديدة داخل النظام، وغيّرت توازنات النفوذ، ووسّعت دور المؤسسات الأمنية والاقتصادية غير التقليدية. في فنزويلا، تآكلت الدولة حتى فقدت أدواتها. في إيران، لا تزال الدولة، بكل تناقضاتها، تمتلك أدوات السيطرة والإدارة، وتعرف كيف تؤجل الانفجار بدل أن تنزلق إليه دفعة واحدة.
الفارق البنيوي بين الدولتين لا يقل أهمية. فنزويلا عانت من تفكك مؤسسي حاد، وانقسام داخل النخبة الحاكمة، وعجز إداري مزمن، ما جعلها عاجزة عن احتواء الغضب الاجتماعي أو إعادة إنتاج شرعيتها. إيران، على العكس، لا تزال دولة متعددة الطبقات: حكومة، وبرلمان، ومؤسسات دينية، وأجهزة أمنية، وأطر انتخابية محدودة لكنها قائمة. هذه البنية المعقدة تُعد جزءاً من الأزمة، لكنها في الوقت نفسه مصدر من مصادر الصمود. فالدولة الإيرانية لم تفقد بعد قدرتها على إدارة التوتر وإعادة تدويره سياسياً وأمنياً.
ثم تأتي الجغرافيا السياسية كعامل حاسم لا يمكن تجاهله. فنزويلا، رغم ثقلها النفطي، تقع على هامش التوازنات الدولية، وتأثيرها الإقليمي محدود. إيران، في المقابل، تقف في قلب إقليم ملتهب، ممتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر. أي محاولة لدفعها إلى انهيار شامل تحمل معها ارتدادات خطرة على أسواق الطاقة والممرات البحرية وأمن الإقليم برمته. لهذا السبب، حتى خصوم طهران يدركون أن إدارتها لا تتم بمنطق “الضغط حتى الانهيار”، بل بمزيج أكثر تعقيداً من الردع، والتفاوض، والتصعيد المحسوب، والوساطات المرحلية.
الفارق الاجتماعي والسياسي يزيد الصورة وضوحاً. في فنزويلا، نجحت المعارضة، ولو موقتاً، في إنتاج قيادة رمزية وسردية دولية موحّدة حول فكرة “الشرعية البديلة”، ما عمّق عزلة النظام وسرّع تآكل شرعيته الخارجية. في إيران، المعارضة شديدة التشتت: داخلية وخارجية، قومية وأيديولوجية، من دون مركز جامع قادر على فرض نفسه كبديل واقعي في الداخل والخارج في آن واحد. هذا التشتت يمنح النظام، paradoxically، مساحة إضافية للمناورة والاستمرار.
حتى في ملف النفط، حيث يبدو التشابه أوضح، تختلف القدرة على المناورة جذرياً. إيران راكمت خبرة طويلة في بيع نفطها تحت العقوبات، عبر خصومات، وشبكات وساطة، وتبديل أعلام السفن ومسارات الشحن. فنزويلا حاولت السير في الاتجاه نفسه، لكنها فعلت ذلك في سياق انهيار إنتاجي ومؤسسي جعل قدرتها على الصمود أضعف بكثير. إيران ليست محصنة من الإنهاك، لكنها أكثر تمرساً في إدارة اقتصاد العقوبات من دولة دخلت فجأة في دوامة الانهيار.
ولا يمكن إغفال العامل العسكري والأمني. فنزويلا، رغم عسكرة السياسة، لا تمتلك منظومة ردع إقليمي ذات وزن. إيران، في المقابل، تمتلك قدرات صاروخية وشبكات نفوذ تجعل أي سيناريو تصعيدي ضدها عالي التكلفة. هذا لا يعني أن إيران بمنأى عن الضغوط، لكنه يعني أن سقف الخيارات المتاحة ضدها مختلف، وأن تكلفة الانهيار المفاجئ لا تقع عليها وحدها، بل تمتد آثارها إلى النظام الإقليمي والدولي.
وأخيراً، يبرز العامل العقائدي بوصفه فارقاً لا يجوز تجاهله. البعد الديني الذي صبغ النظام الإيراني منذ تأسيسه ليس مجرد خطاب تعبوي، بل عنصر فاعل في بنية الشرعية والتعبئة. ورغم المعارضة المتنامية، لا يزال لهذا البعد صدى حقيقي في قطاعات من المجتمع، وقد نجح النظام، عبر عقود، في بناء دوائر دعم واستعداد للصبر والتحمّل. هذا العامل وحده كافٍ لجعل إسقاط المقارنة مع فنزويلا أقرب إلى التوظيف السياسي منه إلى التحليل الرصين.
الخلاصة أن تشبيه إيران بفنزويلا قد يصلح عنواناً صحفياً جذاباً، لكنه لا يصمد كتحليل. فنزويلا انهارت عندما تآكلت مؤسساتها وانكسر عمودها الاقتصادي الوحيد. إيران، رغم أزماتها العميقة، لم تفقد بعد قدرتها على إدارة الألم والتكيّف معه. وبين التشابه السطحي والاختلاف البنيوي، يبقى تكرار السيناريو الفنزويلي بالنتائج نفسها احتمالاً بعيداً، لا قراءة واقعية لمشهد معقّد ومتعدد الأبعاد.