.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يبدو أن البشرية أمام فترة انتقال فوضوية ستغيّر جذرياً ما يعنيه أن تكون بشراً، وكيف يكسب الناس عيشهم، وما مكانتهم في العقد الاجتماعي، بسبب التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. ويبدو أيضاً أن الانتقال صار حتمياً نحو عالمٍ ليس لنا الكثير من التصورات عن شكله وطبيعة العلاقات داخله. لكن ربما يكون التحدي الوجودي الأكثر تهديداً للهوية البشرية هو فك الارتباط بين العمل والمعنى.
دائماً ما ارتبطت قيمة الذات البشرية والمعنى من الحياة بالقدرة على خلق القيمة من خلال العمل. وقد رسّخت الأديان والفلسفات والثقافة الشعبية ذلك بشكل أعطى حقاً معنى لحياة الإنسان. في المقابل يتجه الذكاء الاصطناعي للتفوّق على البشر في المجالات الإدراكية كافة، وبات الاعتماد على فكرة أن الإنسان الأفضل في العالم في أي عمل ما كمصدر للمعنى غير ممكن.
نواجه اليوم واقعاً تتسم فيه الوظائف بعدم الاستقرار والأدوار بالزوال السريع وتهدد فيه الخوارزميات بجعل قطاعات واسعة من العمل البشري بلا جدوى. لذلك صار الفرد، الذي يستمد قيمته الذاتية بالكامل من مهنته يواجه فراغاً وجودياً. والنتيجة هي وباء الإرهاق والقلق المعاصر، ليس لأننا نعمل كثيراً، بل لأننا نستثمر بإفراط في العمل كمصدر للهوية.
تجعل هذه المعضلة الترابط التقليدي بين خلق القيمة واحترام الذات، والغرض من الوجود مفرغاً من معناه. وبات على الإنسان البحث عن معنى لوجوده من خارج فكرة العمل والإنتاج والفعل. وهي مهمة ليست بالهينة وتحتاج إلى تحول كامل في دورة الإنتاج الاجتماعي، وحتى ذلك الوقت ربما تدخل البشرية في حياةٍ تفتقر إلى الحرية أو فخر الإنجاز. ذلك أن أنظمة الذكاء الاصطناعي إذا ما أصبحت تملي على البشر أفعالهم وأقوالهم لضمان حياة أفضل، فقد يعيش البشر حياة مريحة تقنياً ولكنها خالية من المعنى الحقيقي والسيادة الشخصية.
وربما تكون هذه المحنة الوجودية دافعاً للبشر لتطوير ذكاء اجتماعي بدلاً من سطوة الفردانية، بمعنى قدرة أكبر على فهم الآخرين، والتعامل مع الديناميكيات الاجتماعية المعقدة وإدارة العلاقات بتعاطف، وذلك من شأنه أن يُمهّد الطريق لنمط حياة مختلف. فهو يُسهِّل فصل العمل عن الحياة من خلال نقل مصدر المعنى من نتاج الفرد إلى ترابطه مع الآخرين. فبينما قد يُسهم الذكاء الاصطناعي في حل مشكلة تقنية في العمل، يُعالج الذكاء الاجتماعي مشكلة العزلة. فهو يُتيح لنا بناء ذات اجتماعية قوية ومرنة ومستقلة تماماً عن وضعنا الوظيفي.
ويتحدى هذا الذكاء الاجتماعي الطبيعة التبادلية لمكان العمل. ففي المرحلة النيوليبرالية التي سادت خلال العقود الماضية، غالباً ما كانت العلاقات وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية. وقد خلقت الطبيعة الربحية لثقافة العمل الحديثة، نوعاً من استعمار كل جانب من جوانب الذات. فنحن نُشجَّع على إحضار ذواتنا الكاملة إلى العمل، وهو طلب يبدو ظاهرياً حسن النيّة، ولكنه غالباً ما يؤدي إلى استيعاب الشخصية بالكامل في هوية المؤسسات التي نعمل لصالحها. أما الذكاء الاجتماعي، المتجذر في التعاطف الحقيقي فيُمكّننا من رؤية ما هو أبعد من منفعة الآخرين أو استهلاك ذواتنا في العمل. وذلك قطعاً ما يؤكد أن قيمة الإنسان تكمن في وجوده لا في فعله.