.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
سرد جي دي فانس ذات مرة قصة المكالمة التي تلقاها من دونالد ترامب، وأُخطر فيها باختياره نائباً للرجل الذي انتهى به المطاف رئيساً للولايات المتحدة. قال فانس إن ابنه، الذي كان في السابعة آنذاك، كان "يمر بمرحلة هوس بشخصيات بوكيمون"، فجاء إليه وهو في خضم تلك المكالمة المصيرية مع ترامب ليريه بطاقة "بيكاتشو" الخاصة به. ويعترف الأب ضاحكاً بأن رده كان "اخرس بحق الجحيم يا بني... هذه أهم مكالمة في حياتي".
أتذكر بعد تلك المقابلة كيف انقلبت عبارة "اخرس يا بني" بشكل هستيري ضد فانس، فباء بغضب العديد من الأميركيين، وتلقّى هجومهم وانتقاداتهم الحادة باعتباره قد حطّ من ابنه، وجرح مشاعره، ثم تفاخر بـ"جريمته" المعنوية مازحاً ومقهقهاً.
لخّصت ردة الفعل على فانس -بالنسبة إليّ- الحساسية الغربية المفرطة، حيث يُعامل الطفل ككائن زجاجيّ هشّ، لن يحتمل المزاح، أو التوبيخ، أو النقد، أو عدم منحه الأولوية الدائمة، ومعاملته كمحور للكون أينما حلّ. وهي تعكس أيضاً التنظير المقيت على الآباء والأمهات، الذين لا يُسمح لهم بأن يزلوا في لحظة بشرية من الضغط فيطالبوا أبناءهم بإطباق أفواههم!
ولكنني أجد شعوبنا العربية أقرب -للأسف- إلى الطرف المناقض من المعادلة، الذي لا يقلّ عفناً، حيث طبّعنا إهانة الأبناء وشتمهم وضربهم والاستهزاء بهم والانتقاص منهم باعتبارها مادة مستساغة ومعتادة لإثارة الضحك في مسلسلاتنا وأفلامنا ومسرحياتنا.
بل لقد استسلمت أخيراً لإرادة الخوارزميات في أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي لتظهر لي المحتوى العربي المُصنّف ككوميدي، وإذ بنفس نوعية المشاهد تحاول إضحاكي في "السكتشات"، إذ هاجرت معنا من الإعلام التقليدي إلى الجديد كأنما لتؤكد لنا كم صرنا نستمرئ هذه السلوكيات ونألفها.
فصانع المحتوى "الظريف" هذا يبدع في أداء شخصية الأب الخليجي، الذي يجلد أبناءه "بالعقال" أولاً، ثم يطرح الأسئلة لاحقاً. وصانعة المحتوى "خفيفة الظل" تلك تتقافز بخفّة فيما تطاردها شخصية والدتها "بالشباشب" والشماعات. والقناة الفلانية تقدّم كل "مونولوجات" الوالدين المدمرة للهمّة والكرامة، وفي قالب فكاهيّ سوف "يصرعكم" ضحكاً؛ فهناك مونولوج الأبناء الفاشلين محدودي الذكاء، ومونولوج البنات الكسولات الموعودات بالعنوسة، ومونولوج المقارنات السامّة مع أبناء الخالات، وأبناء الأعمام، وأبناء الجيران، وأبناء القارة المحاذية، وجميعهم يتفوقون في كل شيء على الأبناء المتعرضين للتوبيخ.
عموماً، لا يصافح الآباء أبناءهم في هذه "السكيتشات" سوى بالصفعات، وتحياتهم فيها اللعنات. أما الألفاظ "الكوميدية" المستخدمة، فمستوحاة من الزرائب والحظائر، وقلما تخرج عن "يا تيس!" و"يا بقرة!".
مجدّداً، لا نريد أن نكون مثل أولئك الغربيين "الدلوعين" سريعي الكسر، الذين عجزوا عن مجرد الضحك مع فانس، وسخطوا عليه بسبب جملة عابرة لم يبالغ في صقلها وتنقيحها قبل التفوّه بها لطفله.
ولكن هل من الصحي -على الجانب الآخر- أن نظل نتّخذ من الأذى الجسدي والنفسي واللفظي ضد الأبناء محتوى شائعاً للفكاهة؟