.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لا يتوقف مصير خطة ترامب على موقف الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية منها، فقط، بغض النظر عن تقييم تلك الخطة، ومخاطرها على الشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه، إذ إن الأمر يتعلق، أيضاً، بكيفية تعاطي إسرائيل مع تلك الخطة، خصوصاً في ظل حكومة نتنياهو، سموتريتش، بن غفير.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل سيسهل نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، خطة ترامب أم إنه سيعمل، كعادته، على إجهاضها، تبعاً لتجربته، مذ تحكم بخيارات السياسة في إسرائيل، عندما جاء إلى رئاسة حكومتها، في حقبته الأولى (1996 - 1999)، كما في حقبتيه الثانية (2009 - 2021) والثالثة (2022 - حتى الآن)؟
ففي حقبته الأولى، التي أتت في أعقاب اغتيال اسحق رابين (أواخر 1995)، والذي كان من أهم المحرضين ضده على خلفية توقيعه اتفاق أوسلو للتسوية مع الفلسطينيين (1993)، كرّس نتنياهو نفسه لتقويض ذلك الاتفاق، وإضعاف السلطة الفلسطينية، ووأد فكرة الدولة الفلسطينية نهائياً، وترسيخ هيمنة إسرائيل من النهر إلى البحر، وهو ما فعله في حقبتيه التاليتين، ومن ضمنهما شن حرب إبادة وحشية جماعية، نجم عنها خراب قطاع غزة، وتحويله إلى مكان غير صالح لعيش أكثر من مليوني فلسطيني.
يستنتج من ذلك أننا نتحدث عن شخص يحمل أيديولوجية صهيونية صلبة، يمينية ومتطرفة، ليس إزاء الفلسطينيين فقط، وإنما إزاء فهمه لإسرائيل ذاتها، فهو الشخص الذي ساهم في صعود اليمين القومي والديني في إسرائيل، والذي يعمل من أجل تحويل إسرائيل من دولة يهودية ديموقراطية (للإسرائيليين اليهود) إلى كونها دولة قومية لليهود، أي بتغيير طبيعتها من دولة ديموقراطية ليبرالية إلى دولة قومية - دينية، عنصرية، يتحكم بها اليمين القومي والديني، مع تكريس سيطرته على كل السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية.
لنلاحظ أن نتنياهو يتبنى إزاء الفلسطينيين عقيدة تتأسس على شعارات: "الأمن أولاً"، باعتباره أن أمن إسرائيل أهم من السلام، وهذا ينطبق على السوريين، أيضاً، إذ يرى أن إسرائيل في الجولان أهم من إسرائيل من دون الجولان ولو بسلام مع سوريا. أيضاً، هو صاحب شعار "السلام بالقوة"، بتأكيده أن إسرائيل لديها القوة والمقدرة على فرض السلام الذي يخدم مصلحتها بطريقتها، ومن دون أي تنازل للأطراف الأخرى. ثمة أيضاً، شعاره بشأن "السلام الاقتصادي"، الذي يرى من خلاله أن الفلسطينيين، ليسوا شعباً، وإنما مجرد سكان لا يحتاجون إلى تقرير المصير، ولا إلى حقوق سياسية، إذ برأيه هم يحتاجون فقط لتمكينهم من العيش "حطابين وسقائين"، أي أيدٍ عاملة، وهي المنطلقات ذاتها التي ارتكز إليها ترامب، في مشروعه لـ "السلام" في غزة.
الآن، نتنياهو لا يطرح، ولا يعلن، رفضه خطة ترامب، رغم تماهيها مع أطروحاته الأساسية بالنسبة للفلسطينيين، لكنه يطرح بعض تحفظات، سعياً منه لتجييرها بما يخدم رؤيته لطبيعة إسرائيل ومكانتها في الشرق الأوسط، وفي الإستراتيجية الأميركية.
في قائمة تحفظات نتنياهو عن تلك الخطة، ثمة ثلاث مسائل أساسية، الأولى، تتعلق بالخشية من تدخل دولي، ووجود دولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عبر مؤسسات مدنية وقوات دولية، خشية اعتبار ذلك أرضية لتوسع مستقبلي، على حساب سعي إسرائيل الى فرض هيمنتها على تلك الأراضي، من النهر إلى البحر، وخشية إسناد ذلك الوجود لبقاء البعض الفلسطيني في المعادلات السياسية.
أما المسألة الثانية، فتتعلق بخشية إسرائيل من تراجع قيمتها، أو مكانتها، في الإستراتيجية الأميركية، مع ظهور شركاء آخرين، كالمملكة العربية السعودية وتركيا، مثلاً، إذ ترى أن ثمة تزايداً في أدوار أطراف عربية وإقليمية في الهندسة الجديدة للمنطقة، بعد أفول دور إيران، في المشرق العربي.
تبقى المسألة الثالثة، وهي تتعلق بحث الولايات المتحدة الأميركية على توجيه ضربة الى إيران، لتدمير ترسانتها الصاروخية، وإنهاء أذرعها الميليشيوية في المنطقة، ووصولاً حتى للدفع بتغيير النظام فيها.
أيضاً، ثمة تحفظات أخرى، لكنها تأتي لتعزيز التحفظات الأساسية السابقة، وهي تشمل عدم إدخال المساعدات، وعدم إنفاذ مشاريع الإعمار إلا بعد نزع سلاح "حماس"، وشطب فكرة الدولة الفلسطينية الموجودة في أحد بنود خطة ترامب، مع لا "حماسستان"، ولا "فتحستان" في غزة، إضافة إلى رفض وجود عسكري لتركيا وقطر، مع سيطرة عسكرية لإسرائيل بين النهر والبحر، ومجال أمني لها في سوريا يصل إلى دمشق، وفي لبنان يصل إلى بيروت. وبحسب نتنياهو، "الرئيس ترامب سيقرّر ما يقرّره، ودولة إسرائيل ستقرّر ما تقرّره".