السياسة تصلح ما أفسدته الرياضة بين الرباط ودكار

كتاب النهار 30-01-2026 | 04:11
السياسة تصلح ما أفسدته الرياضة بين الرباط ودكار
يمثل نجاح العلاقات المغربية - السنغالية في تحقيق الاستمرارية تحدّياً لصورة نمطية تكرّس الصراع بين دول القارة الأفريقية بدل التعاون والشراكة.
السياسة تصلح ما أفسدته الرياضة بين الرباط ودكار
رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش (يمين) ورئيس وزراء السنغال الزائر عثمان سونكو يستعدان لتوقيع اتفاقيات ثنائية في الرباط في 26 يناير 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

عادة ما تكون الرياضة أداة لإصلاح ما أفسدته السياسة. ولعل النموذج، الذي أظهرته الكوريتان الجنوبية والشمالية، يمثل أجمل ما يمكن للرياضة أن تمثله من نبل ومن رسالة للسلام؛ فرغم العداء بين بيونغ يانغ وسيول، والذي لا يحتاج إلى تفصيل، فإن العلاقة بين البلدين على المستوى الرياضي تقدّم صورة جميلة ربما تفاجئ كثيرين.

ففي نيسان/ أبريل 1991، شكّلت الكوريتان أول فريق رياضي موحد لبطولة العالم لتنس الطاولة، التي نظّمت في اليابان، وفاز فيها فريق الزوجي النسائي بالميدالية الذهبية. وفي حزيران/ يونيو من العام نفسه، شكّلت الكوريتان أيضاً فريقاً موحّداً لبطولة العالم للشباب لكرة القدم في البرتغال، وبلغ الفريق المشترك دور ربع نهائي المسابقة. وفي حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في سيدني في عام 2000، دخل الوفد المشترك للكوريتين إلى الملعب تحت العلم الكوري الموحّد، وهو علم أبيض في وسطه خريطة شبه الجزيرة الكورية باللون الأزرق، ثم في الألعاب الأولمبية الشتوية التي نظمت في بيونغ تشانغ في كوريا الجنوبية سنة 2018، سار الوفد المشترك للكوريتين معاً في حفل الافتتاح مع تشكيل منتخب مشترك لهوكي السيدات.

هذه هي الصورة الجميلة التي تجعل من الرياضة صانعة للأمل، وسط بيئة سياسية وجيواستراتيجية معقّدة، تحكمها المصالح وتنفخ كيرها الإيديولوجيا العمياء.

في نهائي كأس أفريقيا للأمم في العاصمة المغربية الرباط قبل أسبوعين، كادت الرياضة تُفسد علاقات عميقة بين المغرب والسنغال، أو على الأقلّ كان ذلك أمل من كان منزعجاً من نجاح البطولة الباهر، ومن وصول منتخبي البلدين إلى المباراة النهائية. لكن عمق العلاقات الثنائية وحكمة القيادة السياسية في المغرب والسنغال أعادت الأمور إلى نصابها الطبيعي باعتبار ما جرى في النهائي يبقى مجرد مقابلة في كرة القدم، تحتمل الربح والخسارة، وحملت تجاوزات مشينة، لكنها في النهاية تبقى خاضعة لقواعد تلزم الجميع، وكل من اعتبر نفسه متضرراً، فله الحق في أن يسلك المسار القانوني القاري والدولي الذي ينظم اللعبة.

قبل نهائي كأس أفريقيا، بدا للبعض أن العلاقات المغربية - السنغالية تجتاز مرحلة دقيقة. خصوم البلدين كانوا يمنّون النفس في أن تكون للتحولات السياسية الداخلية، التي عرفتها السنغال بعد خسارة الرئيس السابق ماكي سال للرئاسة، ووصول ديوماي فاي إلى السلطة، انعكاسات على مواقف دكار الخارجية، خاصة في علاقتها التقليدية مع الرباط كنموذج للعلاقات الثنائية في غربي أفريقيا. هذه العلاقة تم تأكيد متانتها وصلابتها مجدداً من خلال النجاح الكبير للّجنة العليا المشتركة بين البلدين، والتي انعقدت في الرباط قبل يومين تحت الرئاسة الفعلية لرئيسي حكومتي البلدين، والتي فتحت آفاقاً جديدة للعلاقات الثنائية. 

للذين لا يعرفون عمق العلاقات بين البلدين، ممن كانوا يتوهمون أنها تقف على نتيجة مباراة في كرة القدم، أو أنها تتأثر بتغييرات سياسية داخلية، يكفي التذكير بلحظة تنصيب الرئيس باسيرو ديوماي فاي بديامينياديو قرب العاصمة دكار، والتي شكلت مناسبة للتذكير بالطابع الاستثنائي للعلاقات المغربية - السنغالية التي تتجاوز الجوانب السياسية والاقتصادية، إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث تحضر الجوانب الثقافية والدينية ممثلة في الزوايا الصوفية بشكل قوي، كركائز لعلاقات ثنائية مثالية ونموذجية على مستوى القارة الأفريقية ككل، إذ عبر البلدان على مدى عقود، سواء من خلال علاقاتهما الثنائية أو المتعددة الأطراف، عن التزامهما بالوحدة الأفريقية وأهمية التعاون جنوب - جنوب، والتضامن بين دول القارة...

 الطابع الاستثنائي للعلاقات بين الرباط ودكار تمثل في فرادة الدعوة، التي وجّهت إلى العاهل المغربي، لحضور حفل تنصيب الرئيس المنتخب، دعوة استثنائية، ذلك أن السلطات السنغالية اختارت أن يقتصر حضور الحفل على زعماء دول المجموعة الاقتصادية لدول غربي ‏أفريقيا، ومؤسسات الاتحاد الأفريقي ممثلة بالرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني، الذي كان يتولى رئاسة الاتحاد الأفريقي، وموسى فقي الذي كان يتولى رئاسة المفوضية الأفريقية؛ وبذلك يكون المغرب هو البلد الوحيد من خارج المنطقة الذي تمت دعوته لمراسم التنصيب؛ وقد حضر باسمه، ممثلاً للعاهل المغربي، رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش مرفوقاً بوزير الخارجية ناصر بوريطة. وكان المسؤولان المغربيان من أوائل المسؤولين الأجانب الذين استقبلهم الرئيس السنغالي الجديد على هامش حفل التنصيب. 

العاهل المغربي أكّد في برقية التهنئة، التي وجهها إلى الرئيس السنغاليّ المنتخب على أن ما يربط بين شعبي البلدين، من وحدة مصير وقيم مشتركة، يستند إلى رصيد ثقافيّ وروحيّ متين، ليشكل ركناً ثابتاً في العلاقات الثنائية، مع تقدير العاهل المغربي للعمق التاريخي الذي يطبع تلك الأواصر المتينة القائمة على الأخوة والتضامن والتقدير المتبادل، مؤكّداً أن الروابط المتميزة التي تجمع بين المغرب والسنغال تعدّ إرثاً قيّماً ما فتئ البلدان الشقيقان يحرصان على صونه والحفاظ عليه.

 انتخاب المعارض السابق باسيرو ديوماي فاي حمل مخاوف لدى بعض المتتبعين للعلاقات المغربية - السنغالية، بحيث كانت هناك تساؤلات عن كيفية تعاطي القيادة الجديدة في دكار مع حليف استراتيجي كالمغرب، خاصة في ظلّ ما عرفته بعض دول المجموعة الاقتصادية لدول غربي ‏أفريقيا من اضطرابات سياسية في السنوات الأخيرة، وما حملته تلك الاضطرابات من تغييرات جوهرية على مستوى العلاقات الخارجية، مثل المواقف التي عبرت عنها القيادات العسكرية الجديدة في كل من بوركينا فاسو ومالي والنيجر من الوجود الفرنسي في منطقة الساحل والصحراء، أو تلك التي تم اتخاذها من قبل مالي تجاه الجزائر، بعد إلغاء مسار الجزائر المتعلق بالجماعات الانفصالية في شمالي مالي، بالإضافة إلى تعزيز الدور الروسي في المنطقة.