.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
الطبيعة لا تعرف المجاملة ولا هي تملك ديبلوماسية السياسيين؛ فهي تكشف كل شيء كما هو وإن كان غير سار.
العاصفة "هاري" التي هبت على تونس أخيراً وحملت معها كميات غير مسبوقة من الأمطار، أخرجت إلى دائرة الضوء حقائق عدة مثيرة للانشغال. ذكّرت العاصفة التونسيين قبل كل شيء بأنهم معنيون بظاهرة تغير المناخ.
قد تكون العاصفة التي هبت على تونس مجرد "منخفض جوي متوسطي" كما يقول خبراء الأرصاد، ولكن البحر الأبيض المتوسط لم يعد كما كان.
أضحى حوض المتوسط بؤرة للانحباس الحراري أكثر من معظم مناطق العالم. وذلك يرفع درجة حرارة مياه البحر بما يساهم في توليد العواصف والأمطار وحدوث الفيضانات. كما يتسبب بارتفاع منسوب مياه البحر بما يؤدي إلى تفاقم ظاهرة الانجراف وتآكل البنية التحتية على السواحل، بالإضافة إلى الإضرار بالمحاصيل الزراعية جرّاء ارتفاع نسبة الملوحة في المياه على اليابسة.
رفعت الفيضانات مجدداً الغطاء عن العامل البشري ومضاعفته لآثار الظواهر الطبيعية. فقد أظهرت العاصفة سوء التخطيط العمراني (إن لم يكن غيابه تماماً في بعض المناطق)، مما أدى إلى عجز شبكات الصرف الصحي على استيعاب التدفق السريع لمياه الأمطار وتحويل العاصمة إلى مدينة عائمة.
وما زاد الطين بلة هو امتداد العمران إلى مناطق قريبة من مجاري الأودية من خلال البناء العشوائي للمساكن، من فئات معوزة عجزت السلطات المحلية والمركزية عن منعها أو توفير حلول بديلة منها.
تداخلت الظواهر البيئية وإخلالات التصرف البشري في قرية سيدي بوسعيد شمالي العاصمة التونسية. كان مستوى الأمطار قياسياً فيها مما أجج المخاوف من حدوث انزلاقات وتصدعات جديدة على الهضبة التي تقع فوقها القرية السياحية، وهي التي تواجه ضغطاً بيئياً أكبر من طاقتها نتيجة تسرب مياه المطر والري والمسابح، فيما تتعرض قاعدتها لتأثير ظاهرة الانجراف البحري مما يعرض التوازن الجيولوجي للقرية بكاملها للخطر.
الساحل المحاذي لسيدي بوسعيد يتعرض للانجراف مثل معظم السواحل التونسية حيث زحفت الفنادق والمطاعم والفيلات وزادت في انحسار الشواطئ الرملية.
أعادت المخاوف بشأن سيدي بوسعيد إلى الأذهان التحذيرات التي أطلقها منذ سنوات العديد من الخبراء والمسؤولين في ما خص المخاطر التي تحدق بسيدي بوسعيد وفاقمتها هزات أرضية خفيفة ضربت المنطقة.
اتخذت السلطات جملة من الإجراءات الاحترازية الفورية كالتقليل من تدفق العربات والباصات على القرية.
وكان من الممكن التنبه قبل اليوم إلى أن سيدي بوسعيد أضحت مثالاً لما أصبح متعارفاً عليه في المتوسط بـ"السياحة المفرطة"، لمّا يصبح عدد السياح الوافدين أكبر من قدرة الموقع الذي يقصدونه على استقبالهم.
قرية سيدي بوسعيد ليست قرية ككل القرى فهي ذات قيمة رمزية كبرى ومكانة خاصة ضمن المواقع السياحية لتونس أو هويتها الثقافية ككل.
تحتاج سيدي بوسعيد إلى تحرك استباقي عاجل يتجاوز الإجراءات الفورية إلى معالجة منهجية لخطر التصدعات والانزلاقات. لم يعد من الممكن مواصلة نسق الاجتماعات والدراسات الحكومية والتقنية المتواصلة من دون نتيجة منذ سنتين على الأقل.
التحرك المطلوب سيكون بالتأكيد معقداً ومكلفاً، ولكن لا مفر منه. إذ يتعلق الأمر بمعلم استثنائي نحت لوحده جانباً كبيراً من صورة تونس مدى السنين. معلم تغنى به الفنانون التونسيون والأجانب. وهو يستحق جهداً وطنياً ودولياً للحفاظ عليه وإنقاذه.
ما قد يدعو الى التفاؤل في خضم كل المخاوف هو الوعي المتزايد لدى التونسيين بضرورة تضافر جهود الدولة والمجتمع من أجل رفع تحدي الهشاشة البيئية الذي يواجه تونس. وقد تكون سيدي بوسعيد الامتحان الأول لقدرة البلاد على رفع هذا التحدي.