.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لم يعد خطاب "حزب الله" موجّهاً للدفاع عن خياراته بقدر ما بات قائماً على قلبٍ منهجيّ للمسؤوليات: وضعُ الدولة في موقع المتهم الدائم، وتقدّمه إلى موقع القاضي.
وعليه، يعتلي هذا الحزب، يومياً تقريباً، المنابر السياسية والإعلامية، من حيث يتهم السلطة اللبنانية بالعجز تارة، وبالتواطؤ تارة أخرى، مستنداً إلى ما ورد في خطاب القَسَم والبيان الوزاري من تعهدات تتصل بتحرير الأسرى من السجون الإسرائيلية، واستعادة الأراضي المحتلة، ومنع الاعتداءات الإسرائيلية، وإطلاق مسار إعادة الإعمار. ويقدّم الحزب هذا الفشل، وفق خطابه، بوصفه دليلاً إضافياً على عجز الدولة وعدم أهليّتها لتحمّل مسؤولياتها الوطنية.
لكن هذا الخطاب يتجاهل، عن قصد أو عن إنكار، حقيقة أساسية بأن السلطة اللبنانية ليست كياناً حرّ الحركة، بل هي محكومة بخريطة طريق واضحة ومعلنة لتحقيق أي من هذه الأهداف، تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. كما يتجاهل الحزب أن الدول الداعمة للبنان حسمت موقفها بشكل لا لبس فيه، ومفاده أن لا دعم مالياً ولا إعادة إعمار ولا مسار إنقاذ اقتصادياً طالما بقي السلاح خارج الشرعية، وطالما ظل القرار العسكري والأمني مزدوجًا. عند هذه النقطة، يصبح النقاش نظرياً، لأن شروط التنفيذ غائبة.
ومع ذلك، ولتجنّب السقوط في سجال تبادلي، يمكن افتراضاً التسليم بأن السلطة اللبنانية فاشلة، وبأنها لم تفِ بوعودها، وأنها تستحق المساءلة السياسية وربما التغيير. لكن إذا كان هذا هو المعيار، فإن المنطق نفسه يفرض توسيع دائرة المساءلة لتشمل "حزب الله"، وفق الشروط والمعايير ذاتها التي يعتمدها في محاكمة غيره.
فهل لم يزجّ "حزب الله" لبنان في مواجهات عسكرية كبرى تحت شعارات من قبيل تدمير إسرائيل ورميها في البحر، من دون أن تتحقق هذه الأهداف؟
وهل لم يُدفع آلاف الشباب إلى ساحات القتال باسم الوصول إلى القدس وتحريرها، فيما بقيت القدس خارج أي معادلة تغيير حقيقية؟
وهل لم يُهجَّر عشرات آلاف اللبنانيين من قراهم وبلداتهم باسم طرد إسرائيل من الجليل، من دون أن يتحقق هذا الوعد؟
وهل لم يخض الحزب الانتخابات النيابية خلال العقد الأخير تحت شعار "نبني ونحمي"، في وقت لا تزال مناطق واسعة تعاني من آثار الدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي؟
الجواب، بوضوح، هو نعم. وهذه الوقائع لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن المسؤوليات.
السلطة اللبنانية، بلا شك، تستحق التأنيب والمساءلة بسبب عجزها عن الوفاء بتعهداتها تجاه شعبها، ليس فقط نتيجة ضعفها البنيوي، بل أيضاً لأنها مكبّلة بواقع سياسي وأمني يجعلها عاجزة عن اتخاذ القرار السيادي. لكن هذا الواقع نفسه يرتبط مباشرة بسلاح "حزب الله"، الذي يُستخدم في الداخل كعامل ضغط وتهديد كلما طُرح سؤال الدولة أو احتكارها للقرار.
ومن هنا، تطرح المقارنة نفسها: إذا كانت سلطة ضعيفة تُحاسَب على وعود لم تتمكن من تنفيذها، فماذا عن قوة منظّمة تمتلك السلاح والنفوذ، وقدّمت وعوداً كبرى انتهت إلى حروب، ونزوح، وخسائر بشرية، وأزمات متراكمة؟ إن الفشل هنا لا يقتصر على عدم تحقيق الأهداف، بل يتعدّاه إلى الكلفة الباهظة التي دُفعت باسم هذه الأهداف.
وعليه، يصبح من الضروري التوقف عن خطاب الإدانة الأحادي، والانتقال إلى مراجعة شاملة ومسؤولة. فالمساءلة لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا أن تُستخدم أداة لتبرئة الذات.
وأي نقاش جدي حول مستقبل لبنان يبدأ بإقرار بسيط: لا يمكن محاسبة الآخرين قبل محاسبة النفس، ولا يمكن بناء دولة فيما تُترك الخشبة في العين بحجة التركيز على القشّة في عيون الآخرين.