القاهرة وواشنطن: براغماتية في زمن ترامب

كتاب النهار 27-01-2026 | 04:08
القاهرة وواشنطن: براغماتية في زمن ترامب
تعكس التجربة المصرية–الأميركية في عهد ترامب نموذجاً متقدماً لإدارة الشراكات الاستراتيجية في ظل بيئة دولية متقلبة. النموذج يقوم على إدارة الخلاف، لا تجنبه، وعلى احتوائه ضمن إطار مؤسسيّ يحافظ على المصالح الوطنية ويمنع الانزلاق إلى القطيعة أو التبعية...
القاهرة وواشنطن: براغماتية في زمن ترامب
ترامب والسيسي في دافوس (أ ف ب)
Smaller Bigger

شهدت العلاقات المصرية–الأميركية خلال الفترة الأخيرة تحولاً منهجياً ومؤسسياً، يمكن توصيفه بأنه انتقال من الفتور والتحفظ إلى مستوى أعلى من التفاهم الاستراتيجي، في سياق دولي يتّسم بالتوتر المتزايد واعتماد الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب على آليات غير تقليدية لإدارة السياسة الخارجية، تقوم في أغلب الأحيان على الضغط المباشر، واللغة الصدامية أحياناً، بوصفها أداة تفاوضية.

يعكس هذا التحول دينامية تفاعلية بين القاهرة وواشنطن، لم تنشأ نتيجة لقاءات بروتوكولية أو تبادلات ديبلوماسية رمزية، بل نتيجة عملية مدروسة لإعادة ضبط مسار العلاقة ضمن إطار يحافظ على مصالح الطرفين، من دون التفريط في السيادة المصرية أو الثوابت الاستراتيجية للسياسة الوطنية.

مع مطلع الولاية الثانية للرئيس ترامب، برز التباين في المواقف الاستراتيجية بين الجانبين في ملفات إقليمية عدة، على رأسها تطوّرات الحرب في قطاع غزة، حيث تبنت القاهرة موقفاً صلباً تجاه أيّ محاولة لفرض ترتيبات قد تسفر عن تهجير السكان أو الإخلال بالحقوق الفلسطينية أو المساس بالأمن القومي المصري. وأفضى هذا الموقف، الذي يعكس ثوابت استراتيجية متجذّرة، إلى مرحلة من التحفظ الأميركي في التفاعل المباشر مع الدور المصري، ما استدعى تفعيل أدوات ديبلوماسية دقيقة، شملت تقليص مستويات الانخراط الرئاسي المباشر، ورفض القيام بزيارات رسمية، والامتناع عن المشاركة في بعض المحافل الدولية ذات التأثير الأميركي الكبير؛ وهذه الإجراءات لم تكن مجرد استجابة ظرفية، بل شكّلت استراتيجية واعية لإدارة الاختلاف وتحديد حدود الشراكة من دون الدخول في مواجهة مفتوحة أو التصعيد الإعلامي.

تتعزز أهمية هذا المسار عند مقارنته بتجارب دول أخرى حليفة للولايات المتحدة، مثل دول أوروبا الغربية وكندا واليابان، حيث أظهرت الخبرة الدولية أن اتباع مسارات الاسترضاء، عبر التنازلات أو الانخراط في المواجهات العلنية، يؤدي - في أغلب الأحيان - إلى خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والديبلوماسي، ما يعكس أن الإشكالية الأساسية لم تكن في طبيعة الخلاف السياسي، بل في أسلوب إدارته واستجابته لغير التقليديين في السياسة الأميركية.