سنة أولى ترامب: كلفة التغيير الجذري

كتاب النهار 26-01-2026 | 05:00
سنة أولى ترامب: كلفة التغيير الجذري
كانت السنة الأولى في ولاية ترامب الثانية جامحة، حيث شهدت أميركا والعالم اندفاعاً متهوراً وتجاهلاً للقواعد التقليدية في سبيل أجندة "أميركا أولاً" بشكل أكثر منهجيةً وحدة. 
سنة أولى ترامب: كلفة التغيير الجذري
أعادت إدارة ترامب صياغة السياسة الخارجية لتكون ديبلوماسية معاملات بحتة (أ ف ب)
Smaller Bigger

كانت السنة الأولى في ولاية ترامب الثانية جامحة، حيث شهدت أميركا والعالم اندفاعاً متهوراً وتجاهلاً للقواعد التقليدية في سبيل أجندة "أميركا أولاً" بشكل أكثر منهجيةً وحدة. فقد شنت الإدارة الجديدة هجوماً شاملاً على أكثر من جبهة، في مجالات الإدارة والاقتصاد والهجرة والديبلوماسية، مما أحدث صدمات عميقة في الداخل الأميركي والنظام العالمي على حد سواء.

تبنت إدارة ترامب الثانية نهجاً راديكالياً تجاه الجهاز الإداري تحت مسمى "مكافحة الدولة العميقة"، حيث تم إنشاء "وزارة كفاءة الحكومة" لتقليص النفقات وإلغاء المؤسسات الفيدرالية. وقد أدى ذلك إلى رحيل أكثر من 300 ألف موظف فيدرالي بحلول نهاية العام، وهو ما يمثل أكبر عملية تنحيف للحكومة في تاريخ الولايات المتحدة، رغم أن هذه الوزارة حُلت لاحقاً في تشرين الثاني/ نوفمبر بعد مواجهة موجة من الدعاوى القضائية.

وعلى صعيد الهجرة، استخدم ترامب هذا الملف كأداة لتعزيز قاعدته الانتخابية، فاعتمد قبضة حديدية تجاه المهاجرين، وعلّق قبول اللاجئين. وهذه السياسات لم تقتصر على الأبعاد القانونية، بل امتدت لتغذية حروب ثقافية تهدف لإعادة تشكيل القيم الأميركية التقليدية، عبر استهداف الأقليات وممارسة ضغوط على الجامعات بتهمة مكافحة التغلغل الأيديولوجي.

ولم يكن جميع ما سبق مُتاحاً إلا بتوسعٍ غير مسبوق في السلطة التنفيذية، حيث استند ترامب إلى فكرة السلطة التنفيذية الموحدة ليعلن حالات الطوارئ الوطنية وتجاوز الكونغرس، موقعاً 225 أمراً تنفيذياً في عامه الأول، وهو رقم قياسي يتجاوز ثلاثة أضعاف ما وقعه بايدن في الفترة نفسها. وقد انعكس هذا الاستقطاب في شلل وظيفي للحكومة، حيث دخلت البلاد في أطول إغلاق حكومي استمر 43 يوماً بسبب الصراعات الحزبية. كما لم تسلم حركة "ماغا" نفسها من الانقسامات الداخلية بين الجناح الشعبي والجناح التكنولوجي اليميني بقيادة إيلون ماسك. وفي الشارع، تصاعدت حدة التوتر لتتحول إلى احتفالات بالاحتجاجات الشعبية وعنف سياسي ملموس.

ولمواجهة مشكلات التضخم والركود، لجأت الإدارة إلى أسلحة فوق اقتصادية، شملت زيادة الرسوم الجمركية بشكل هائل، حيث بلغت إيراداتها قرابة 300 مليار دولار في عام واحدٍ. وبالرغم من نجاح البيت الأبيض في استقطاب استثمارات عالمية ضخمة، خاصة من دول الخليج وشركات التكنولوجيا الكبرى التي دفعت ما يشبه "رسوم الحماية"، إلا أن هذه السياسات تسببت في فقدان نحو 500 ألف وظيفة أميركية نتيجة المعاملة بالمثل من الدول الأخرى. علاوة على ذلك، أدى تشكيل حكومة أوليغارشية إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فبينما زادت ثروات المليارديرات بمقدار 1.5 تريليون دولار، ظل 43% من السكان يعيشون في حالة فقر أو دخل منخفض.

لكن الوجه الأكثر اندفاعاً كان السياسة الخارجية. فقد أعادت إدارة ترامب صياغة السياسة الخارجية لتكون ديبلوماسية معاملات بحتة، تبتعد عن القواعد التقليدية وتركز على المكاسب المادية الفورية. فتم تقليص وزارة الخارجية وتطهيرها من الكوادر المهنية لصالح الموالين لترامب، مع انسحاب واشنطن من 66 منظمة دولية.