أزمة التشريعات وغياب الاستراتيجيات الكبرى لدى وزارة الثقافة الجزائرية

كتاب النهار 20-01-2026 | 04:19
أزمة التشريعات وغياب الاستراتيجيات الكبرى لدى وزارة الثقافة الجزائرية
تتميز الموازنة المالية لوزارة الثقافة الجزائرية بأنها الأضعف بين موازنات الوزارات الأخرى. أما من الناحية السياسية، فإن وزارة الثقافة لا تصنّف ضمن الوزارات السيادية مثل وزارة التعليم، والدفاع، والداخلية، والخارجية...
أزمة التشريعات وغياب الاستراتيجيات الكبرى لدى وزارة الثقافة الجزائرية
وزارة الثقافة الجزائرية تواصل حصر مهمتها في الشكليات النمطية؟
Smaller Bigger

تتميز الموازنة المالية لوزارة الثقافة الجزائرية بأنها الأضعف بين موازنات الوزارات الأخرى. أما من الناحية السياسية فإن وزارة الثقافة لا تصنّف ضمن الوزارات السيادية، مثل وزارة التعليم، والدفاع، والداخلية، والخارجية، علماً بأن كلّ خيوط الوحدة الوطنية والهوية الوطنية التاريخية والحضارية والاجتماعية والنفسية مرتبطة بهذه الوزارة.

فالصدام الفرنسي - الجزائري منذ الاستقلال حتى الآن، مثلاً، هو بسبب تشكيك فرنسا في وجود هوية دولة جزائرية قبل الاحتلال الكولونيالي، الأمر الذي يعني أن المسألة الثقافية تعدّ صلب هذه الهوية، بل تمثل الركيزة الأساسية في معمارها البنيوي.

فالقضية الإثنية اللغوية والثقافية في المجتمع الجزائري يفترض أنها تحتل الصدارة، ولكنها ما فتئت تستغل منذ سنوات من أطراف معروفة بمشروعها الهادف إلى تقسيم البلاد. رغم الأهمية القصوى للبعد الثقافي في الجزائر فإن معظم المسؤولين المحمّلين وزر حقيبة وزارة الثقافة هم إما حزبيون، وإما ديبلوماسيون، أو إداريون، أو دارسون عاديون، حيث تنحصر علاقة هؤلاء بالثقافة في البروتوكولات السياسية، أو في التنشيط الثقافي والفني المناسباتي التقليديّ جداً.

في الواقع، فإن المجالس العليا التابعة لرئاسة الجمهورية ذات الصبغة الثقافية واللغوية، مثل المجلس الأعلى للّغة العربية، ومرصد الأمازيغية (المحافظة السامية للأمازيغية)، والمجمع الجزائري للّغة العربية، فهي تدار من قبل دارسين جامعيين أو منشّطين أتوا من الجمعيات والروابط المدنية؛ وفي كلّ هذه الحالات، فإن الفعل الثقافي الجادّ غائب تماماً.

إذا أخذنا مرصد الأمازيغية الذي يفترض أنه متخصّص في نشر وتعميم وتطوير اللغة والثقافة الأمازيغيتين، فإننا نجده على مستوى النتائج الميدانية الملموسة لم ينجز أيّ تحديث للّغة الأمازيغية، التي لم يحسم عليها حتى الآن قضية الحروف التي تكتب بها، كما لم يصدر هذا المرصد ولو جريدة جهوية واحدة تنطق بهذه اللغة، التي لا تملك حتى الآن أسس "اللغة الواصفة"، مثل لغة النقد الفكري، أو المفاهيم والمصطلحات العلمية كالفيزياء والطب، والعلوم الإنسانية الأخرى وهلم جرَا. إن مرصد الأمازيغية لم يساهم بأيّ دور فاعل لجمع ونشر وطباعة وترجمة الإنتاج الثقافي والفني المميز للثقافة الأمازيغية.

ففي هذا المناخ نجد وزارة الثقافة الجزائرية تواصل حصر مهمتها في الشكليات النمطية، مثل تكريم الكتاب والفنانين الموالين للنظام، واستصدار الديبلومات الورقية لفائدة هؤلاء المكرّمين، وعقد الاجتماعات المتكرّرة مع مديري الثقافة عبر المحافظات؛ وجراء هذا التوجه فهي لا تملك المبادرات الثقافية الكبرى ذات الطابع الوطني والإقليمي والعربي والدولي ما عدا تنظيم معرض الكتاب، الذي يكرر الكتب الفضفاضة، ووجوه المدعوين أنفسهم سنوياً. أما القرار الثقافي فهو من صلاحيات مستشار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لشؤون الإعلام والثقافة. فضلاً عن ذلك، فإن وزارة الثقافة لا تملك أيضاً قرار تعيين أو اقتراح الملحقين الثقافيين في الدول الأجنبية، والذي بقي منذ الاستقلال من صلاحيات وزارة الخارجية.

هناك مشكل بنيويّ آخر يتمثّل بخلوّ بناية وزارة الثقافة من المثقفين البارزين ومهندسي التسيير الثقافي ذوي الخبرة الطويلة والمنتجة في صنع وتفعيل الاستراتيجيات الثقافية الكبرى مثل صناعة الكتاب وفق المعايير الأكثر حداثة وعصرية. وزيادة على ذلك، فإن التشريعات الثقافية التي تعمل بها إدارة وزارة الثقافة تتميز بأنها ظالمة للفنانين والكتاب والفاعلين في حقل الإنتاج الثقافي الوطني، إذ تخلّ هذه القوانين السائدة بحقوق المؤلفين المفقرين، كما تسد الطرق أمام حرية توزيع الإنتاج الثقافي والفني على المستوى المغاربي والمشرقي والعربي والدولي.