.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لأنه الشخصية الفكرية الأبرز في أوساط اليمين الأميركي الجديد، فإنني أتابع كورتيس يارفين منذ سنوات، ولا سيما بعدما أصبح النجم الفلسفي للمشروع الترامبي.
قبل سنواتٍ، وبفضل أسلوبه الاستفزازي وإنتاجه الغزير، استطاع الرجل أن يكوّن قاعدة قرّاء واسعة، معظمهم من الأوساط المابعد يمينية في الولايات المتحدة. يرفض يارفين بشدة النزعة التقدمية باعتبارها أحد أسباب العجز عن تجاوز "عبثية الديموقراطية"، ويصف نفسه بأنه رجعي، أو حتى رجعي جديد، أو ما بعد رجعي، أو رجعي متطرف، وهي كلها أسماء تلخص ما يقوم به ترامب اليوم. لكن يارفين لا يكفيه ما يقوم به رئيسه المُفضل.
قبل أيامٍ كتب مقالة شديدة الطول، ينعى فيها لأنصاره ولاية ترامب الثانية قائلاً: "باتت القصة واضحة الآن: ولاية ترامب الثانية مأساة. فلنتحدث عما يعنيه هذا، وما يمكن فعله حيال ذلك". وهنا ليس بالضرورة أن يكون موقف يارفين قاطعاً وحتمياً، ولكنه مهم، حيث يعبّر عن صوت جناح قوي وواسع داخل القاعدة الشعبية والانتخابية الترامبية. يرى كورتيس يارفين أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الإدارة الأميركية استهلكت كل طاقتها في مرحلة انتقالية كان يُفترض أن تكون بمثابة "عبور للنهر"، ولكن بمجرد استقرار الإدارة واندماجها مع "الدولة العميقة" في زواج مرتب وغريب، تلاشت تلك الطاقة الهجومية.
ويبدو أنه حسم موقفه بشأن وضع الإدارة الحالية، فهو لا يضيّع وقتاً في تشخيص المشكلة، بل يطرح حلاً جذرياً ملخصه إنشاء "الحزب الصلب"، الذي هو شكل جديد من التنظيم السياسي، يتجاوز مجرد تجمع انتخابي عابر، بل منظمة خاصة تهدف إلى السيطرة غير المشروطة على الدولة، حيث يفوّض جميع أعضائه من طاقتهم السياسية لقيادة الحزب. فأميركا بحسب يارفين تعيش فعلياً في دولة الحزب الواحد لكنها تتظاهر بخلاف ذلك، حيث تسيطر "الأيديولوجيا التقدمية" على كل مفاصل الحياة العامة والخاصة، ولا يمكن هزيمة هذا النظام اللامركزي إلا بنظام مركزي صلب مضادّ. وهذا الحزب كما يتمنّاه يارفين، لن يعتمد على الزيّ الموحّد والمسيرات في الشوارع، بل سيكون تطبيقاً ذكياً، يصبح العضو فيه "مستخدماً نشطاً شهرياً"، وتتحول السياسة إلى نوع من ألعاب الواقع المعزز، حيث يؤدي العضو مهامّ في الواقع ويحصل على شارات في التطبيق. والهدف هو تحويل التصويت من مجرد ممارسة مدنية مملة إلى فعل من أفعال الحرب الرمزية والتعبير عن القوة الجماعية.
أما عن آليات الاستحواذ على السلطة، فإن حزب يارفين المأمول، يسعى لامتلاك 50 مليون عضو يلتزمون بتوجيهاته الانتخابية بدقة عسكرية، من أجل السيطرة على الكونغرس من مرحلة الانتخابات التمهيدية. في هذا النظام، لا يحتاج العضو لمتابعة الأخبار أو دراسة القضايا المعقدة، فكل ما عليه فعله هو تثبيت التطبيق والقيام بما يأمره به في يوم الانتخابات، ما يمنحه تأثيراً سياسياً هائلاً بجهد أقل. فمن خلال تفويض السلطة بشكل غير مشروط للقائد أو الحزب، يتم إنتاج قوة جماعية قادرة على هزيمة الأوليغارشية. وبمجرد الوصول إلى السلطة، يجب أن تكون السلطة مطلقة وغير مقيّدة بالوثائق أو الهياكل التنظيمية للنظام القديم. وبمجرد الاستيلاء على السلطة، يجب على هذا "الحزب الصلب" التحرك بسرعة لمحو النظام القديم تماماً، وهي عملية تشبه الجراحة. أما دولة الحزب الجديدة فيجب ألا تُدار من العاصمة القديمة، بل من منشأة عسكرية مغلقة، حيث يعمل الضباط في بيئة آمنة تماماً ومعزولة عن تأثيرات النظام القديم.
ربما تكون تطلعات كورتيس يارفين مبالغاً فيها، ولكنها ليست مستحيلةً التحقق، في واقع أميركي وعالمي صار فيه تحقق المستحيل أسهل من حدوث الأمور بشكلها الطبيعي. لكن فكرته المخيفة عن الحزب الصلب وأعضائه المطيعين ودولته التي تدار من الثكنة تبدو أشبه بإحدى روايات جورج أورويل أو مقابل غربي لحزب الصين الصلب ودولته الحديدية.