ترامب يوقف العالم على حبل الانتظار المشدود في إيران

كتاب النهار 18-01-2026 | 06:00
ترامب يوقف العالم على حبل الانتظار المشدود في إيران
أول ما يمكن قوله بشأن مستقبل النظام في إيران ما بعد إنذارات وإجراءات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هو أن نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي وُلد عام 1979 تزعزع بنيوياً في العمق، وأن إيران في مسار جديد تحت ظل أي وكل من السيناريوهات.
ترامب يوقف العالم على حبل الانتظار المشدود في إيران
حرب ترامب الكبرى والقاضية ضد إيران ستكون في شد الخناق اقتصادياً (أ ف ب)
Smaller Bigger

أول ما يمكن قوله بشأن مستقبل النظام في إيران ما بعد إنذارات وإجراءات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هو أن نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي وُلد عام 1979 تزعزع بنيوياً في العمق، وأن إيران في مسار جديد تحت ظل أي وكل من السيناريوهات.

أركان النظام لن يقوموا طوعاً بإصلاح عقيدته النووية والصاروخية وأذرع الميليشيات. قد يخضعون لأمر واقع تفرضه عمليات عسكرية في مقار الأذرع مثل "حزب الله" في لبنان، وأخرى في الداخل الإيراني، فيستترون ويغيرون سلوك النظام مرحلياً لشراء الوقت وللبقاء في السلطة. لكن ذلك لن يفيدهم.

فإذا عدل ترامب عن عمليات عسكرية ضد إيران مؤقتاً ومرحلياً، فإن حربه الكبرى والقاضية ستكون في شد الخناق اقتصادياً، وفي ضرب الحصار نفطياً، وفي تمكين الانفجار داخلياً بوسائل خلاقة جديدة.

كل شيء ما زال وارداً في الأيام المقبلة، لكن الأهداف الأميركية لا ترتكز على أيام، بل تأتي في إطار استراتيجية تطويق إيران وحلفائها، ولا سيما الصين، التي قد تجد نفسها بلا نفط.

فلقد قام ترامب قبل بضعة أسابيع بإبعاد الصين عن فنزويلا عندما اختطف رئيسها نيكولاس مادورو لمحاكمته في نيويورك بتهمة الاتجار بالمخدرات، فقطع على بكين مصدراً أساسياً للنفوذ والنفط. ثم فرض رسوماً جمركية على أي استيراد للنفط الإيراني هدفها تكبيل تحايل الصين على العقوبات المفروضة على إيران. فالكلفة باتت باهظة.

لا الصين ولا روسيا بدت مستعدة للدفاع عن النظام في طهران سوى بالدعم الشفوي ولغة الإدانات، بل إن المواقف الصينية والروسية أثبتت عراء إيران في عزلتها. كشفت أيضاً أن تلك المعاهدات الاستراتيجية بين إيران وحليفيها الصيني والروسي ليست سوى حبر على ورق في أحرج اللحظات المصيرية للنظام في طهران. فللدول أولوياتها، ومواجهة أميركا من أجل إيران ليست أولوية صينية أو روسية، لأن دونالد ترامب أوضح آفاق الكلفة الباهظة.

دخول دول عربية على الخط الساخن أتى لإقناع الرئيس الأميركي بضبط النفس، خوفاً من أضرار انفلات الفوضى داخل إيران وتأثيرها على الجيرة، بما يؤدي أيضاً إلى ارتفاع أسعار النفط. أتى ذلك لمساعدة طهران على الاستفادة من الفرصة المتاحة لتغيير في مقاربتها نحو إجراء المباحثات الجدية مع الولايات المتحدة الأميركية في شأن الأرجل الثلاث في العقيدة الإيرانية: النووي، الصاروخي والوكلاء.

فالمطروح هذه المرة ليس صفقات تستبعد السلوك الإقليمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية. حدث ذلك في عهد باراك أوباما وشركائه الأوروبيين عندما خضعوا لإملاء إيران باستبعاد الصواريخ وسلوكها الإقليمي عن مفاوضات الملف النووي من أجل التوصل إلى الاتفاق النووي JCPOA. دونالد ترامب لن يكرر ذلك الخطأ.

وبالتالي إن فرض تعديل أو إصلاح الأمر الواقع للعقيدة الإيرانية مطروح جدياً الآن من زاوية الصواريخ كما من زاوية منع رجال طهران، بالذات الحرس الثوري، من نحر سيادة الدول عبر قوات غير نظامية تابعة لطهران.

المحادثات التي اشترطها الرئيس الأميركي على مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي لم تقدم إليه كوسيلة للمماطلة أو لتجنب الاستحقاقات. فالعد العكسي إلى العمليات العسكرية لضرب مفاصل النظام الأساسية رافقه العد العكسي إلى ضرب حصار نفطي مدمر للاقتصاد الإيراني. أي تفاهمات سياسية أتت حصراً في إطار هذا المفهوم.

أي إن تأجيل الضربات العسكرية أتى بمعزل عن التطويق الاقتصادي والنفطي لإيران بما يؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى انفجار داخلي ضد النظام. بمعنى أن أي تأجيل للتبنّي القاطع للاحتجاجات وللمعارضين في إيران إنما هو تأجيل عابر، لأن الوضع الاقتصادي الذي يتربص بالنظام في طهران سيؤدي إلى ذلك الانفجار الداخلي القاضي على النظام.

تراجع القضاء في إيران عن إعدام ثمانمئة من المتظاهرين مقابل تأجيل دونالد ترامب تنفيذ الخطط العسكرية التي وضعت، إنما هو مؤشر آخر على ذعر حكام طهران من عواقب الضربة العسكرية.

الخوف والقلق من التطويق الاقتصادي ومن الحصار النفطي يتفشى في أركان النظام، لكن الذعر إنما هو من العمليات العسكرية ضد مفاصل النظام. ترامب تلقى عدم تنفيذ الإعدامات لتحويله إلى نجاح شخصي له، فيما تمسّك برفض الكشف عن كامل خططه. فدونالد ترامب يتقن فن التشويق والغموض التكتيكي والاستراتيجي على السواء.

تردد أن إسرائيل دخلت على خط إقناع فريق ترامب بتأجيل الضربة، وكذلك فعلت روسيا التي لجأت إلى المستشار الأول للرئيس الأميركي صديقه ستيف ويتكوف كي يؤثر على ترامب للتأجيل مقابل دفع إيران إلى محادثات جدية وإلى تنازلات.

أما لماذا أرادت إسرائيل تأجيل الضربة العسكرية الأميركية المباشرة ضد إيران، فإن الإجابة غامضة. هناك كلام عن أولوية اعتزام إسرائيل توجيه ضربة قاضية إلى حليف إيران في لبنان، "حزب الله"، قبل الدخول شريكاً لأميركا في العمليات العسكرية المباشرة ضد إيران.

وهناك حديث عن قلق من انتقام إيراني أو عمليات استباقية إيرانية ضد إسرائيل. ثم هناك كلام عن لغة التمويه ريثما يتم وضع كامل للاستعدادات العسكرية، بما فيها وصول حاملة الطائرات USS أبراهام لينكولن إلى المنطقة من بحر الصين الجنوبي في غضون أسبوع.