تشكيك بجاهزية أميركا لتغيير النظام في إيران... وتصعيد ترامب لتبديد الشكوك بـ"صفقة نووية"
وقت يقلّب الرئيس الأميركي دونالد ترامب خيارات المساعدات التي وعد بتقديمها للمتظاهرين في إيران، ويهدد القائمين على قمع الاحتجاجات بـ"دفع ثمن باهظ"، لا تتضح حدود التدخل الأميركي المزمع وغايته القصوى، وهل فعلاً واشنطن مستعدة للذهاب إلى مرحلة إسقاط النظام، أم ستكتفي بتصعيد الضغط إلى أن تغيّر طهران سلوكها فحسب؟
لا يمكن إنكار أن الاحتجاجات الجارية قد وضعت النظام في موقف الدفاع عن النفس، في وقت لم يكد يتعافى من تأثيرات الحرب الإسرائيلية-الأميركية في حزيران/يونيو الماضي، وما سبقها من تغيّر في المحيط الاستراتيجي نتيجة الضعف الذي ألمّ بالحلفاء الإقليميين بعد عامين من حروب إسرائيل.
هي فرصة التقطها ترامب ليهدد بخيارات متعددة ضد إيران، بينها العسكري والاقتصادي والسيبراني. هذا التهديد جعل الحكومة الإيرانية تبذل جهداً أكبر لقمع الاحتجاجات قبل حصول أي تدخل أميركي، وبعثت في الوقت نفسه رسالة لينة نحو واشنطن تعبّر عن الاستعداد لإجراء مفاوضات مباشرة هذه المرة حول اتفاق نووي جديد.
الثلاثاء كانت وتيرة الاحتجاجات أقل حدّة. ترافق ذلك مع الأنباء عن تواصل بين مسؤولين إيرانيين وأميركيين، وعن رسالة إيرانية بشأن الاستعداد لإجراء مفاوضات مباشرة للتوصل إلى اتفاق نووي جديد.
فهل لمس المتظاهرون أن ترامب يستغلهم من أجل الحصول على اتفاق نووي من طهران أكثر من اهتمامه بتغيير فعلي للنظام؟ ومن حق الشارع الإيراني أن يخشى صفقة كتلك التي حصلت في فنزويلا، عندما اكتفى ترامب بتحييد الرئيس نيكولاس مادورو، بينما أبقى على النظام الفنزويلي قائماً واتفق معه على تجيير النفط الفنزويلي لمصلحة الولايات المتحدة. وفي الحالة الإيرانية، هناك خشية من مقايضة الاتفاق النووي ببقاء النظام.
وكي يبدد ترامب هذا الانطباع، لجأ الثلاثاء إلى حضّ المتظاهرين على الاستمرار في تحركاتهم، وأعلن قطع التواصل مع الحكومة الإيرانية ريثما تتوقف عن إجراءات القمع. وسرّبت الإدارة الأميركية إلى موقع "أكسيوس" الإخباري أن المبعوث الخاص ستيف ويتكوف التقى في الأيام الأخيرة رضا بهلوي، نجل الشاه السابق محمد رضا بهلوي. بيد أنه لا مؤشرات إلى وجود تنسيق بين بهلوي وجماعات إيرانية معارضة في الخارج، نحو اتفاق على جسم واحد للمعارضة قادر على الحلول محل النظام الحالي.

وفوق هذا، هناك الكثير من التساؤلات التي تُثار حيال حدود التدخل الأميركي المحتمل وغايته. ولا أحد يجادل بأن أميركا التي لا تملك أصولاً عسكرية ضخمة في الشرق الأوسط كتلك التي كانت تحشدها في الصيف عند قصف المنشآت النووية الإيرانية، فإنه يمكنها قصف إيران بالقاذفات الاستراتيجية عبر الأطلسي. لكن حملة عسكرية أكثر استدامة تتطلب وجود حاملة طائرات على الأقل، وصواريخ اعتراضية. ونقل ترامب الحاملة "جيرالد فورد" قبل أسابيع إلى الكاريبي، بينما نقل الصواريخ الاعتراضية (باتريوت) بعد حرب حزيران إلى شبه الجزيرة الكورية.
هذا يعني أن أميركا غير مستعدة لحرب طويلة في الشرق الأوسط حالياً، بينما من غير المؤكد أن ضربة عسكرية واحدة ستكون كفيلة بتراجع السلطات الإيرانية أو بإسقاط النظام أو بتراجعه عن قمع المتظاهرين.
يضاف إلى ذلك تحفّظ عدد من السناتورات الجمهوريين على عمل عسكري ضد إيران، خوفاً من أن يقود إلى تورّط في حرب شرق أوسطية أخرى. وبين هؤلاء السناتوران ماركوين مولن وكيفن كرامر، بينما صرّح زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثيون ورئيس لجنة الخدمات المسلحة في المجلس روجر ويكر بأنهما لم يتبلّغا بأي ضربات عسكرية محتملة ضد إيران.
كذلك، تبذل دول خليجية مساعيَ لإقناع ترامب بعدم اللجوء إلى خيارات عسكرية، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.
ومع ذلك، يبقى القرار الأخير لترامب في ما إذا كان يعتزم المضي في اللجوء إلى مناورة عسكرية في إيران، وما هي أهدافها بالتحديد، وهل أن أميركا جاهزة لزلزال آخر في الشرق الأوسط والعالم؟
نبض