.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يُروى عن تشرشل قوله: "لا أحد يستطيع حكم سوريا، ولا يمكن لسوريا أن تحكم نفسها". وهكذا، قبل سايكس بيكو وبعدها، تسري بقوة هذه العقلية في التعامل مع سوريا حتى اليوم!
وعملاً بما تقوله العديد من المراجع الغربية، لا يزال المستشرقون والديبلوماسيون الغربيون يقرؤون سوريا بوصفها فضاءً لقوم ليسوا جديرين ببناء دولتهم الخاصة، قوم لم يتمدنوا ليصيروا دولة أمة، بل هم طوائف وقبائل وعوائل لا يوالون إلا عصبياتهم الضيّقة.
لذلك، فإما أن يوحّدهم دكتاتور عقائدي مفوّض دولياً، ليتولى ضبطهم بالحديد والنار، أو أن تتقاسم بلادهم، قوى الهيمنة الدولية ودول النفود الإقليمي، ليجري التعامل مع سوريا من جديد كموضوع للصراع وكـ"ملفٍّ لإدارة الأزمات".
تساعد الوقائع الأمنية في توضيح هذا الميل: ففي كانون الأول/ ديسمبر 2025 وقع هجومٌ على دورية مشتركة أميركية-سورية قرب تدمر، وتبيّن وفق تحقيقات رسمية وتصريحات أن المنفّذ كان من عناصر الأمن الشخصي للقصر الجمهوري. بالنسبة إلى بريطانيا وللإدارة الأميركية، لم يكن الحادث مستبعداً، بل كان المكتوب ظاهراً من عنوانه!
لذلك جاءت "لحظة باريس" لتكشف هذا المزاج بوضوحٍ فاضح. كان لا بد لواشنطن من الحصول على يد العون من وكلائها الإقليميين لضبط الفضاء السوري. ذلك أن مفاوضات باريس 5-6 كانون الثاني/ يناير لم تكن إلا شاهداً على ذلك. نعم لم تكن هذه المفاوضات مجرد محطة ديبلوماسية تفاوضية عابرة، بل كانت خطة لتقسيم سوريا، وبروتوكولاً لتقسيم العمل بين الدول المتدخلة.
اسمياً، كان هدف اجتماع باريس استئناف المحادثات الأمنية، وخفض التوتر مع إسرائيل، وإحياء ترتيبات "فكّ الاشتباك" القديمة. لكن أسماء المشاركين وتسريبات الديبلوماسيين الأميركيين والفرنسيين كانت كاشفة أكثر بكثير من العبارات. المباحثات كانت استراتيجية وأهمّ من ذلك بكثير.
مثّل الجانب السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس الاستخبارات حسين السلامة، لكن الفريق الإسرائيلي كان فريقاً وازناً، ضمّ سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء رومان جوفمان، والقائم بأعمال مستشار الأمن القومي جيل رايش، فيما شارك الأميركيون بأوزان ثقيلة أيضاً: من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، ثم تولّى توم براك ترتيب المائدة وتحضير التفاصيل. والأهم من كل ذلك أن حقان فيدان وقف في باريس خلف الكواليس حارساً للمصالح التركية!!
لم يكن اجتماع باريس عادياً قط! لكنه لم يبشر بسلام ولا حتى بهدنة نهائية بين الفرقاء الإقليميين:
1. إنشاء خلية تنسيق «Fusion cell» بإشراف أميركي لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وربط الأمن بالديبلوماسية.
2. والأهم «منطقة اقتصادية منزوعة السلاح» تفتح مسارات تعاونٍ «مدني» (الطاقة والزراعة والصحة) تكون ضمانة لإشراف إسرائيلي مديد على الجنوب السوري وصولاً حتى التنف.
3. لم تتنازل إسرائيل في باريس عن ملمتر واحد من مطالبها الأمنية والسيادية في الأراضي السورية: جنوب مُعقّم أمنياً، وبتفويض يصل حتى حدود دمشق، دون أن يتضح بأيّ شكل مصير جبل الشيخ وتثبيتاً لما فرضته القوة بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، حين تقدمت القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة التي أنشأها اتفاق 1974.
وبعد ذلك، توّج الشيباني موقف الحكومة السورية بتصريح علني يضع الجولان جانباً دون تفاوض ودون أي مقابل. لكنه شدد أيضاً على ضرورة انسحاب إسرائيل إلى ما قبل حدود 8 ديسمبر 2024.
وكالعادة، وكما في مفاوضات فرساي 1918 التي تم فيها تقاسم الشرق الأوسط، وإطلاق عملية سايكس بيكو، كان هامشُ محادثات باريس أهم من متنها!
وتماماً كما في فرساي، لم يحضر الجميع على الطاولة. وفي هذه الحالة، اعترضت إسرائيل على حضور تركيا بعد مفاوضات باكو. وكان الحل الذي أخرجه كوشنير - ويتكوف لإغلاق الدائرة الاستراتيجية للمفاوضات، أن لا تجلس تركيا على الطاولة الثلاثية، بل يبقى ظلها يطل من بين الكواليس! فلقد التقى الشيباني بحقان فيدان، وحرص الطرفان على الإشارة إلى الدور الذي ضمنته أنقرة في هذه القسمة الإقليمية ألا وهو شمال غرب سوريا.
بعدما شرّع بشار الأسد أبواب سوريا لشتى الدول المناصرة له ضد شعبه، من كوريا الشمالية لروسيا، لإيران، وأميركا، لم يحتج المراقبون لمفاوضات باريس إلى كثير من الخيال كي يستنتجوا أن ما يتشكل اليوم هو سوريا جديدة، مقسمة، كفسيفساء لنفوذٍ الدول المتدخلة.
لعلّ ذلك يوضح تسارع الأحداث في حلب التي لا تبدو أكثر من تفصيل في هذه الصورة. فبعد أيام قليلة من «تفاهمات الجنوب» في باريس، انفجرت في شمال حلب اشتباكاتٌ انتهت بإجلاء المقاتلين والمدنيين من أهلنا الكرد. لم تكن تلك مجرد نوبةِ عنفٍ محلية؛ بل كانت إعلاناً وعربوناً التقطته تركيا في سياق مواثيق باريس.
فشمال غرب سوريا خاضع تماماً للنفوذ التركي: دمجٌ مؤجَّل، سيطرةٌ مُتنازع عليها، وحدودُ نفوذٍ تتشكل بالنار وبالمسيّرات وبالتفاهمات الدولية، ليصبح الشمال الغربي ملعباً تتماهى فيه على الأرض السيادة السورية مع التسييد التركي الفعلي.
بدوره يتجه الجنوب، نحو «ترتيبات خاصة» تحت مظلة تفاهمات أمنية برعاية واشنطن وبدور بحساسية إسرائيلية قصوى. أما في شرق الفرات حيث استقرت الإدارة الذاتية وترسخت تجربة الحوكمة الكردية، فتحتفظ الولايات المتحدة وشبكة التحالفات الدولية الراعية. يبقى الساحل السوري، منطقة رمادية مؤجلة غير محسومة بعد لكنها حتماً غير منسيّة.
وسط هذا كله، يعود كوشنير لسؤاله المفضّل: ما جدوى الانخراط المباشر، ما دام بالإمكان تكليف الوكلاء الإقليميين بضبط "هذه البلاد العاثرة"؟
فلا ملكية للسوريون على مصيرهم ولا على نموذج حياتهم وشكل دولتهم. وبعدما صار التفاوض مع الغرباء، أهون ألف مرة من التفاوض مع أهل البيت المختلفين عنّا، لا يهمّ ما الذي يبقى من سلطة لدمشق على الأراضي السورية في نهاية الأمر، المهم أن نقيم حكم الله في أرضه!
هكذا كان أمر تقسيم غزة والضفة، وكذا كان تقسيم السودان وجنوبه، ثم اليمن وجنوبه، ثم ليبيا شرقاً وغرباً ثم... لتنطلق من جديد في سوريا لعبة الكراسي الموسيقية في صراع دامٍ وقوده السوريون.
لا يأتي الأحفاد الجدد للورنس العرب، من توم براك إلى جوناثان باول بجيوشٍ ولا برايات، هذه المرة، بل يأتون "بخليّة تنسيق" متواضعة يتوازع فيها مع الأميركيين، وكلاؤهم الإسرائيليون والأتراك وربما الفرنسيون والروس غنائم توافقات باريس، لتدخل سوريا دورة صراع وتقسيم جديد.
في نهاية الأمر، حتى هذا السيناريو الذي قدمته أعلاه لا يبدو نهائياً، إذ لا تزال دورة الصراع الدولي والإقليمي في أولها.