رأس "طالبان" وأزمة الدولة الأفغانية

كتاب النهار 12-01-2026 | 05:05
رأس "طالبان" وأزمة الدولة الأفغانية
رغم غياب تهديد داخلي مباشر لسلطة طالبان في المدى القريب، فإن مستقبلها سيظل مرهوناً بقدرتها على الانتقال من منطق الحركة القبلية العقائدية إلى منطق الدولة، والتعامل الواقعي مع المجتمع الدولي...
رأس "طالبان" وأزمة الدولة الأفغانية
هبة الله آخوند زاده لم يتبنّ خطاباً عدائياً صريحاً تجاه الولايات المتحدة (أ ف ب/ أرشيف)
Smaller Bigger

في سياق سياسة قطع الرأس التي تعتمدها الولايات المتحدة في معظم تدخلاتها الخارجية، برزت خلال الفترة الأخيرة إشارات من المعارضة الأفغانية تشير إلى رأس الملا هبة الله آخوند زاده، أمير إمارة أفغانستان، بوصفه مركز القرار الفعلي لحركة "طالبان".

ورغم أن هبة الله آخوند زاده لم يتبنّ خطاباً عدائياً صريحاً تجاه الولايات المتحدة، فإن أفغانستان مرشحة للعودة إلى دائرة الاهتمام الأميركي إذا ما أخذت إدارة ترامب التنافس مع الصين على محمل الجد. فترامب لم يُخفِ انتقاده لطريقة الانسحاب الأميركي من أفغانستان، كما شدد مراراً على ضرورة استعادة الأسلحة الأميركية التي وقعت بيد "طالبان"، وعلى أهمية العودة إلى قاعدة باغرام الجوية ذات الموقع الاستراتيجي بالنسبة لواشنطن، إذ تتيح لها مراقبة المنشآت العسكرية والنووية الصينية.

طالبان البشتونية
يخضع زعيم طالبان المقيم في قندهار لإجراءات أمنية مشددة، وسط تقارير عن مراقبة أميركية عبر الطائرات المسيّرة. ويتزامن ذلك مع تنامي حالة السخط الشعبي من سياسات النظام الطالباني، الذي أعاد تشكيل الحكومة عبر تدوير الوجوه ذاتها، بما يرسّخ سلطة مغلقة تنتمي إلى جماعة عرقية بعينها، ويعزز شعوراً واسعاً بالتهميش لدى بقية مكونات المجتمع الأفغاني.

وتكشف قرارات حكومة كابول عن طبيعة سلطة قبلية مغلقة، إذ فرض زعيم "طالبان" قيوداً على انتقاد الحركة أو توجيه الاتهامات لأفرادها، في وقت يشعر فيه الأفغان، بعد أربع سنوات من عودة "طالبان" إلى الحكم، بأنهم واقعون تحت هيمنة جماعة مسلحة. فقد تدهور وضع المرأة بشكل ممنهج، بعد إقصائها من الحياة العامة والتعليم، بالتوازي مع تفشي اليأس بين فئات الشباب، وارتفاع معدلات الانتحار نتيجة الفقر والقمع وانسداد أفق التغيير.

ومنذ عام 2021، ركزت "طالبان" على توسيع المدارس الدينية والجهادية، التي باتت تشكل الحاضنة الأيديولوجية الأساسية للحركة، بالتوازي مع فرض هوية قومية بشتونية سُنّية، في إطار سياسة تهدف إلى عزل أفغانستان عن محيطها الثقافي الخارجي. كما أضاف التقارب مع الهند على حساب العلاقة مع باكستان، عنصراً جديداً من التوتر في السياسة الخارجية، ما يحدّ من احتمالية توفر فرصة للاستقرار.

وفي ظل العزلة الاقتصادية وسياسة اقتصاد الميليشيات، فقد أحكمت "طالبان" سيطرتها على قطاع التعدين، الذي يضم موارد تُقدّر قيمتها بتريليونات الدولارات من الذهب والنحاس والليثيوم. غير أن هذه الموارد تحولت من رافعة محتملة للتنمية إلى مصدر تمويل للنظام الطالباني وأداة للقمع، عبر اقتصاد موازٍ قائم على التهريب والسيولة غير الخاضعة للرقابة.

ولا تقتصر عائدات التعدين والمعادن على "طالبان"، بل تُسهم في دعم منظومة مسلحة أوسع. يستفيد منها تنظيم "القاعدة"، الذي لا تزال قيادته تجد ملاذاً آمناً في أفغانستان، من قنوات تمويل مشتركة وترتيبات حماية. كما يتضح ذلك أيضاً مع حركة "طالبان-باكستان"، المسؤولة عن تصاعد الهجمات داخل باكستان، وتستمد قوتها من الأراضي التي تسيطر عليها "طالبان" وشبكات تمويلها. وليس هذا نتاجاً عرضياً لليأس الاقتصادي، بل هو استراتيجية متعمدة، إذ تدرك "طالبان" أن السيطرة على الموارد تعني السيطرة على السلطة وعلى المجتمع، وعلى الجماعات المسلحة العابرة للحدود التي تعتمد على الملاذات الآمنة في أفغانستان. فهي تستخدم عائدات التعدين لتمويل شراء الأسلحة، ورواتب التجنيد، وأجهزة إنفاذ القانون التي تُبقي السكان تحت السيطرة.

في المحصلة، رغم غياب تهديد داخلي مباشر لسلطة "طالبان" في المدى القريب، فإن مستقبلها سيظل مرهوناً بقدرتها على الانتقال من منطق الحركة القبلية العقائدية إلى منطق الدولة، والتعامل الواقعي مع المجتمع الدولي، وإلا سيبقى حكمها هشاً سياسياً واقتصادياً، مهما بدا مستقراً أمنياً.