.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
منذ انفكاك العالم العربي عن الإمبراطورية العثمانية، وظهوره على المسرح السياسي، في مطلع القرن العشرين، هيمنت فكرة المؤامرة على الفاعلين السياسيين فيه، بخاصة أن تلك الفكرة تدعّمت على أرض الواقع، بإخضاع دول المشرق العربي، لهيمنة الدول الاستعمارية.
بيد أن ما يجب ملاحظته أن تلك المؤامرة كانت علنية، بنشر اتفاقية "سايكس بيكو" (1916)، و"وعد بلفور" (1917)، وبواقع حركة الجيوش، والصراع على النفوذ، حينها، بين الدول الغربية، وضمن ذلك تمكين الهجرة اليهودية الواسعة إلى فلسطين، مع إقامة مؤسسات كيانية للحركة الصهيونية فيها، علماً أنه تم تفصيل كل ذلك في كتابات قادتها، ومقررات مؤتمرها الأول (بازل/سويسرا، 1997).
هكذا، فكل شيء من الناحية الاستراتيجية كان واضحاً، وعلنياً، خلافاً التفاصيل، التي ظلت سرية، لكن ذلك لا يفيد أن كل ما حصل كان مؤامرة خفية، من دون نفي وجود مؤامرات سياسية بشكل عام. ولعل الإخفاء هنا، كان له دور وظيفي يستهدف التهويل بالقوى الغربية، والتغطية على أدوار الفاعلين المحليين، في التساوق مع تلك الخطط، العلنية والواضحة، وتسهيلها.
القصد أن معظم التطورات، أو التحولات، التاريخية، التي حصلت في المشرق العربي، لم تكن نتاج مؤامرات سريّة، بل نتيجة أطروحات وترتيبات علنية، هذا يشمل توسّع وترسّخ وتطوّر الاستيطان الصهيوني في فلسطين، والتدخل السوري في لبنان (1976)، والغزو الأميركي للعراق (2003)، والتسهيل لإيران تعزيز نفوذها في العراق وسوريا ولبنان، بدءاً من تسلمها العراق، بعد إسقاط نظام صدام حسين (2003).
تبعاً لذلك فإن التداعيات الناجمة عن حرب الإبادة الوحشية التي شنتها إسرائيل على الفلسطينيين في غزة، كانت، أيضاً، على رأس جدول أعمال اليمين الإسرائيلي القومي والديني المتطرف، وظلت حكومة نتنياهو تهدد به، بين فترة وأخرى، بسعيها لتقويض الكيانية الفلسطينية، والهيمنة على فلسطين من النهر إلى البحر، والتخفّف من أكبر قدر من الفلسطينيين، بتهجيرهم بالوسائل الخشنة أو الناعمة، المباشرة وغير المباشرة.
المعنى أن كل شيء معروف في أحوالنا، أي طبيعة القوى التي تتصارع في، وعلى، بلدان المشرق العربي، والتحديات والمخاطر التي تواجهها، ومكامن العطب فيها، حتى أن ثمة مؤتمرات وندوات نظمت لعرضها ومناقشتها، فضلاً عن نشرها في كتب ووسائل الإعلام.
يمكن هنا التذكير بعدد من المؤامرات، أو الخطط، فثمة من سمى "اللجنة الثلاثية"، التي أدارها زبينغيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي في عهد الرئيس كارتر (1977 – 1981)، والتي شُكّلت في مطلع السبعينيات، وضمّت ساسة وقادة رأي من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وقيل إنها تهدف إلى تعزيز السيطرة على العالم وضمنه العالم العربي، كأن هذا أمر سري أو مستغرب، أو كأن تلك اللجنة تزيد أو تنقص من ذلك.
أيضاً، بريجنسكي كان نشر كتاباً عنوانه: "بين عصرين – أميركا والعصر التكنتروني" (1970)، تحدث فيه عن قرب انهيار الاتحاد السوفياتي (قبل حصول ذلك بعقدين)، بحكم إخفاقه في ثلاث مسائل: توق الناس للحرية، والمسألة القومية، والتقدم التقني، وعدم قدرته على مواجهة تحدي النموذج الذي تمثله الولايات المتحدة، في هذه المسائل، وهو ما حصل فعلاً بطريقة مفاجئة وسلمية في مطلع التسعينيات، أي حصل بسبب اهتراء "الاتحاد السوفياتي"، وليس بسبب مؤامرة.
الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون أصدر كتاباً عنوانه: "الفرصة السانحة"، (أوائل التسعينيات) اعتبر فيه أن الظروف باتت سانحة للولايات المتحدة لتعزيز سيطرتها كقطب أوحد على العالم، ولا سيما على الشرق الأوسط، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
ولعل أبرز تلك المخططات كان تيار "المحافظون الجدد" قد نشرها، في عهد الرئيس بوش الابن (2001-2009)، والمتعلقة بالمنطقة العربية، مستغلين حدث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، والتي تدعو الولايات المتحدة لاستخدام القوة لفرض الترتيبات التي تتلاءم مع مصالحها (ومصالح إسرائيل)، في ما سمي "مشروع القرن الأميركي"، عبر تحكمهم بالإدارة الأميركية وبنفوذهم في البيت الأبيض ووزارتي الخارجية والدفاع.
وكان الرئيس بوش الابن طرح خطته المتعلقة بـ"نشر الديموقراطية" في العالم العربي (2002)، لفرض الإصلاح السياسي فيه، ثم خطته لإقامة "الشرق الأوسط الكبير" (2003)، وهذه غير خطة "الشرق الأوسط الجديد"، التي طرحت إبان إدارة كلينتون في التسعينيات، وكلها خطط علنية ومنشورة، بل ونوقشت مع الحكومات العربية مباشرة.
وفي ولايته الأولى (2017ـ 2021)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطته المسماة "صفقة القرن" (2019)، بهدف إزاحة قضية فلسطين من الأجندة العربية والدولية، وترسيخ شرعية إسرائيل في المنطقة، مع تخلي الولايات المتحدة عن دورها كراع لعملية التسوية، وفرض الإملاءات الإسرائيلية على الفلسطينيين من طرف واحد.
أيضاً، في ولايته الثانية، لم يخف ترامب خططه، المتماهية مع مخططات نتنياهو، للتخفف من أكبر قدر ممكن من الفلسطينيين في غزة، وتغيير واقع قطاع غزة، بإنشاء "ريفييرا" أو منطقة سياحية واقتصادية، على أنقاضه، وهذا ما يطرحه في جنوبي لبنان وسوريا، أيضاً.
على ذلك لا توجد مؤامرات أو خطط سرية، فكل شيء علني تقريباً، فالضعفاء لا يحتاج أحد للتآمر عليهم، ما يعني أن المشكلة تكمن عندنا، في تردي أحوالنا، بتهميش مجتمعاتنا، وتخلف وفساد إداراتنا، وفوق ذلك، أيضاً، أن بيننا من يصور الهزائم انتصارات، ومن يحلم بالعودة إلى زمن الخلافة، وإلى الأندلس، إضافة إلى أننا نذهب، إلى التهلكة، في الأغلب، بأرجلنا.