مستقبل العراق بين عدوين

كتاب النهار 08-01-2026 | 04:06
مستقبل العراق بين عدوين
الفرق بين إسرائيل وإيران بالنسية للعراقيين يكمن في أن الأولى عدو خارجي واضح الملامح ومعلن في خرائطه التوسعية، أما الثانية فإنها عبارة عن حزام ملغوم يمكن أن ينفجر في أي لحظة من غير أن يتنبه أحد إلى الشخص الذي يشده على خصره. 
مستقبل العراق بين عدوين
العراق بين عدوين؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

يدرك معظم العراقيين الآن جيداً أن إيران وقد تمكنت من نظامهم السياسي بشكل مطلق، باتت عدوهم الحقيقي الذي تمكن من أن يندس بين طبقات مجتمعهم من أجل تمزيقها بطريقة متقنة، على رغم أن ثقافتهم الوطنية يوم كانت هناك دولة عراقية مستقلة ذات سيادة غير منقوصة انحصرت باعتبار إسرائيل عدواً ليس من الفطنة أن يتم التغاضي عنه.

غير أن ما صاروا على بينة منه بعد الاحتلال الأميركي وما نتج منه من تغلغل إيراني، خلخل قدرتهم على إقامة عقد اجتماعي جديد، أن إيران بخطرها على وجودهم ومصيرهم لا يمكن مقارنتها بخطر إسرائيل، فهي الأشد ضرراً والأكثر فتكاً بهم بطريقة مباشرة، يصعب معها التفكير في عدو محتمل آخر، هو العدو الذي لم يكونوا على تماس مباشر به.

الفرق بين إسرائيل وإيران بالنسية للعراقيين يكمن في أن الأولى عدو خارجي واضح الملامح ومعلن في خرائطه التوسعية، أما الثانية فإنها عبارة عن حزام ملغوم يمكن أن ينفجر في أي لحظة من غير أن يتنبه أحد إلى الشخص الذي يشده على خصره. كل أفراد التنظيمات الإرهابية الذين فجروا أنفسهم في الأسواق والمطاعم والتجمعات العراقية في السنوات التي تلت الاحتلال الأميركي، لم يكونوا إلا تجسيداً عارضاً لما ستدوم عليه الحال في العراق بعد أن تمكنت إيران من دس أتباعها في مختلف مفاصل الدولة، وهو ما يعني أنها صارت قادرة على تفجير الوضع العراقي من الداخل في أي لحظة نشاء .

الخمينية لا تزال جاهزة

يروج الكثيرون للخطر الإسرائيلي وهو خطر لا يُستهان به في محاولة منهم للتغطية على الخطر الإيراني. غير أن ما لم تخفه إيران ولا أتباعها أن مشروع تصدير الثورة كان مخططاً له أن يبتلع المنطقة العربية من غير المساس بأمن إسرائيل ولو على المدى المنظور.

لم تكن الدولة العبرية جزءاً من الخريطة التي رسمها الخميني في خياله. عبر أكثر من أربعين سنة عملت إيران من خلال أحزابها وميليشياتها على تطبيع الخمينية ومبادئها التوسعية، بحيث صارت بالنسبة للبعض نهجاً، هو المقياس الوحيد لدرجة حذرهم من الشيطان الأكبر، الذي هو صناعة يُراد من خلالها توجيه الأنظار إلى عدو خارجي للأمة الإسلامية التي صار على شعوبها في الوقت نفسه أن تتخلى عن ثوابتها القومية.

كانت اللعبة المذهبية الإيرانية قد تخطت حدود التفكير العقلاني حين أثبتت الوقائع أن إيران نفسها كانت قد أنشأت معسكرات للتنظيمات الإرهابية (السنية) وفي مقدمها تنظيم "القاعدة" وأسامة بن لادن. كان قاسم سليماني وهو زعيم "فيلق القدس" الإيراني قد أجبر الحكومة السورية ورئيسها بشار الأسد على أن تفتح حدودها أمام الجهاديين لينفذوا عملياتهم الانتحارية داخل الأراضي العراقية. "هل فعلت إسرائيل ما يشبه ذلك؟" سؤال ساذج. صحيح أن إسرائيل كانت حاضرة في بغداد منذ اليوم الأول للاحتلال الأميركي، وهو ما أكده قيام أحمد الجلبي وكنعان مكية بنقل الأرشيف اليهودي الموجود في مبنى المخابرات العراقية إلى إسرائيل، غير أنها لم تكن معنية بما يجري بشكل مباشر على الأراضي العراقية.

انهيار النظام ليس مطلباً أميركياً

ما الذي تريده إيران من العراق؟ سؤال غير مقبول. فالعراق بالنسبة لإيران هو سدها الخارجي في مواجهاتها المحتملة مع العالم إضافة إلى أنه يشكل خزانتها المالية. وبغض النظر عن شائعات التغيير التي جرى تصديرها أميركياً والعقوبات المفروضة على إيران، فإن الاحتواء الإيراني للعراق أكثر سعة وإتقاناً وأشد تحكماً وتغلغلاً مما يبرز على السطح. لقد تم تجنيس ملايين الإيرانيين الذين يقيمون في مناطق مختلفة من العراق تقع تحت حراسة مشددة، كما أن الحكومات العراقية المتلاحقة التزمت دفع معاشات تقاعدية لقتلى حرب الثماني سنوات من الإيرانيين في مقابل حرمان عوائل أمثالهم من العراقيين. أما على مستوى اقتصادي، فلم تتعب إيران نفسها بمشاريع الاستثمار وإعادة الأعمار الوهمية في العراق بل اتجهت مباشرة إلى سوق المال، حيث أحكمت قبضتها على البنك المركزي وسوق العملة والمصارف الأهلية وشركات الصرافة التي تعمل داخل العراق وخارجه. وكل ما يُقال عن نظام سويفت نجح العراقيون المتواطئون في تخطي عقباته، فكلما فرضت الخزانة الأميركية قيوداً على شركة ما تأسست شركات مالية بديلة، يتم تشغيلها في سياقات عمل جديدة بإدارات لا تحوم حولها الشبهات. لا تخشى إيران على نفوذها في العراق إلا من شيء واحد، سقوط النظام وانهياره من الداخل. وهو ما لا تراه الولايات المتحدة ضرورياً بقدر ما تخشى عواقبه غير المحسوبة. بقاء العراق دولة فاشلة، لا معنى سياسياً لها في المنطقة هو الخيار الأمثل حتى وأن كان ذلك الخيار يصب في المصلحة الإيرانية.

تداعيات الموقف الأميركي المسبق

في سرهم يسخر الإيرانيون من السذاجة الأميركية التي تقف وراء فرض عقوبات اقتصادية على كيانات وفصائل مسلحة تابعة لهم. تلك أوراق قد احترقت بعد أن تم استعمالها بطريقة متقنة في تأثيرها. بكل بساطة يتمكن الحرس الثوري من تأسيس كيانات وفصائل بديلة بتسميات جديدة هي بالضبط كمَن يغير اسم شركته. يزيل لافتة ليضع مكانها لافتة جديدة. تختفي ميليشيات من غير أن يتم تسريح أفرادها من الخدمة. لعبة إيرانية عملت الحكومات العراقية على التغطية عليها من خلال الاستمرار في صرف الرواتب لأفراد ميليشيات سبق أن تم حظرها دولياً. ولكن أحداً لا يمكنه أن يصدق أن الإيرانيين بتذاكيهم قد انتصروا على قوة الملاحظة الأميركية، غير أن الموقف من الضحية وهي العراق، كان ولا يزال يلعب دوراً مؤثراً في النظر إلى الميزان الذي لن يكون عادلاً. عراق ميت هو مفيد لإسرائيل. تلك نتيجة يمكن التوصل إليها من خلال غض الطرف عن النفوذ الإيراني في العراق.

ملأت إيران الفراغ الأميركي في العراق بطريقة لم تسمح للإرادة الوطنية بالانفصال عن نظام المحاصصة الطائفية. لقد أصبح الطائفي هو عنوان التمثيل للمكون الذي نص عليه دستور، كُتب لكي يكون أشبه بمرثاة للعراق التاريخي. وذلك ما سعى إليه الأميركيون حين وضعوا العراق تحت الرعاية الإيرانية. ما من قوة يمكن أن تخدم إسرائيل في مسألة تهميش العراق وعزله وركنه جانباً مثل إيران. لذلك يمكن القول مجدداً أن إيران هي الخطر الأكبر على مستقبل العراق من خلال الإبقاء عليه دولة غير ذات معنى في المنطقة.