.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
اشتعلتْ تظاهرات إيران قبيل إقرار الميزانية، التي ترافقها تعديلات اقتصادية في بلد يعاني أزمة تضخم متفاقمة وانخفاضاً مستمراً في قيمة عملته الوطنية تحت وطأة العقوبات الغربية. غير أن هذه الاحتجاجات، التي تنتقل من مسار فئوي واجتماعي إلى آخر سياسي، تتزامن مع تحوّلات وضغوط خارجية، ما يكشف أثر ما يمكن تسميته آلة الحرب الجديدة. وفي الوقت نفسه، تُعدّ هذه الاحتجاجات نتاجاً منطقياً لتراكمات وتحوّلات داخلية، حيث ينضج المجتمع ولا سيما فئة الشباب، بينما يواصل النظام تكرار سياسات أثبتت فشلها.
بين الداخل والخارج
لم يعد الداخل والخارج مسارين منفصلين في الحالة الإيرانية، إذ تأتي التظاهرات بعد عودة العقوبات الدولية وتشديد الضغط على طهران، في إطار محاولة إجبارها على الاستجابة لمطالب أميركية تصل إلى حدود لاعقلانية، مثل مطالبتها بالتخلي عن قدراتها الدفاعية لصالح دولة أخرى بعيدة عن حدودها الجغرافية. وهي سياسة لا يقتصر رفضها على النظام الإيراني وحده، بل تشمل أياً مَن يأتي بعده، بحكم المكانة الجيوسياسية لإيران.
فالاحتجاجات التي انتقلت من التجار إلى طلاب الجامعات، بدأت شرارتها من ارتفاع سعر الدولار نتيجة اضطراب في إدارته وتوفيره، خاصة مع سعي الحكومة إلى وقف استنزافه وتوجيهه نحو تعزيز القدرات الدفاعية تحسّباً لأيّ مواجهة محتملة في ظل التهديدات الأميركية والإسرائيلية. ومن هنا، تدير الدولة الإيرانية معادلة شديدة التعقيد بين الحفاظ على الاستقرار الداخلي وعدم التفريط بأوراق القوة الخارجية، ما يجعل مستقبل إيران مفتوحاً على احتمالات عدة في ظل تشابك الداخل والخارج.
وإن كان النظام الإيراني يركز في المرحلة الراهنة على منطق البقاء بدل الهيمنة، وهو ما انعكس في تبدّل معادلة الصراع من الهلال الشيعي إلى آخر سنّي في دول مثل سوريا واليمن والسودان، فإن ذلك لا يعني أن طهران تخلت كلياً عن أوراق سياستها الخارجية. فبعد تجربة حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل، بات جزء من الداخل الإيراني ينظر إلى دعم محور المقاومة بوصفه جزءاً من الأمن القومي، وهي ورقة تستخدمها إيران حالياً في مواجهة الضغوط الغربية، إلى جانب أوراق أخرى مثل الإبقاء على ضبابية مستقبل برنامجها النووي. في هذا السياق، تدخل التظاهرات الداخلية ضمن حسابات القوى الخارجية، التي تنظر إليها بوصفها مؤشراً إلى قدرة النظام على الصمود أو على حاجته للحوار مع الغرب لتخفيف الضغوط.
كذلك مقاربة التعامل مع الاحتجاجات، تأتي في إطار الحفاظ على البقاء. فعلى خلاف السنوات السابقة، لم تعتمد الحكومة مقاربة أمنية خالصة، بل سعت إلى حصر التظاهرات في إطار المطالب الاقتصادية، واعترفت بالأزمة وبحق الاحتجاج ضمن القانون للتمييز بين المحتج والمخرّب، وفتحت باب الحوار. ويعود ذلك إلى أن هذه التظاهرات لم تقتصر على فئات الشباب القلقين على مستقبلهم، بل شملت شرائح أخرى مثل التجار والموظفين، الذين يعكسون الحالة الاقتصادية العامة، ما يضفي على الاحتجاجات ثقلاً سياسياً قد يهدد استقرار النظام فعلياً.
وتكشف هذه المقاربة إدراك صانع القرار الإيراني أن تفاقم الأزمة داخلياً يضعف موقف طهران التفاوضي خارجياً ويمنح الخصوم أوراق ضغط إضافية. وتعكس أيضاً واقعية رؤية الحكومة بقيادة بزشكيان، الذي حذّر في بداية ولايته من أن اختلال التوازن، والعقوبات، واتساع الفجوة بين الشعب والدولة، تمثل ثلاث أزمات كبرى، إن لم تُعالج، فإن الخطر لن يهدد الحكومة وحدها، بل إيران بأكملها، بثمن باهظ قد يصل إلى الدمار! وهو ما يفسّر إصراره على خيار الحوار مع الغرب باعتباره شرطاً أساسياً لأيّ إصلاح اقتصادي يحتاج إلى بيئة مستقرة داخلياً.