موسم الهجرة إلى الجنوب

كتاب النهار 03-01-2026 | 06:37
موسم الهجرة إلى الجنوب
لماذا أصلاً أعيدك إلى 1990، وأذكّرك بتعامل صالح مع العمالة اليمنية المبعدة عن الخليج؟
موسم الهجرة إلى الجنوب
سيارات تسير على طريق في عدن، حيث مقر الحكومة المعترف بها دولياً، في 31 ديسمبر 2025. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في تشرين الثاني/ نوفمبر من 1990، عقد مجلس الأمن جلسة للتصويت على التدخل العسكري في الكويت لتحريرها من الاعتداء الصدامي الغاشم، فلم تصوّت الجمهورية اليمنية بالموافقة. ولم تتغاضَ الدول الخليجية بدورها عن هذا الموقف السلبي، ورحّلت ما يصل إلى مليون عامل يمني من أراضيها.

لقد مثّلت عودة هؤلاء المغتربين أزمة اقتصادية عصيبة لليمن، فقد كانوا يرسلون حوالات تبلغ ملياري دولار سنوياً، كما انقطعت المساعدات الخليجية للبلاد، والتي كانت تزيد على نصف مليار دولار. وتفاقمت الكارثة حينما أحاقت بهم البطالة في اليمن المتحد حديثاً في أيار/ مايو من تلك السنة، وقدّرت الإحصائيات بأن 5% لا غير من العائدين من الخليج عثروا على وظائف.

ولكن مصائب قوم -وهم العمالة المسرّحة- عند قوم فوائد، والقوم هنا هم علي عبدالله صالح وحزب المؤتمر الشعبي العام.

عاد المغتربون في الخليج، فأقدم الرئيس اليمني السابق على توطين أعداد مهولة منهم في محافظة أبين، وفي مديريتي المكلا وتريم، وجميعها في اليمن الجنوبي، بالإضافة إلى مناطق أخرى متاخمة للحدود السابقة بين اليمنين الجنوبي والشمالي. لقد باتت بعض مدن الجنوب، مثل عدن، تكاد تغص بقوافل النازحين العاطلين، والذين يسكنون العشوائيات الموقتة، خصوصاً أن النسبة العظمى منهم لم تكن من ملاك الأراضي في الشمال.

والذئب لا يهرول عبثاً، خصوصاً إن كان بدهاء صالح. يوضّح المؤرخ عيسى بلومي، وهو بروفيسور التاريخ الزائر سابقاً في الجامعة الأميركية في الشارقة، بأن المساعي الخبيثة تلك لخلق المزيد من التغيير الديموغرافي في اليمن الجنوبي تزامنت في الواقع "مع الوقت الذي بدأ فيه الجنوبيون بإعادة النظر في فوائد الوحدة"، على الرغم من مرور أقل من عام آنذاك على حدوثها. لم ينتظر صالح حتى يتفاقم السخط والندم الجنوبي على الوحدة، بل قرر أن يبادر بإفقاد الجنوبيين ثقلهم العددي أكثر فأكثر، وبسلبهم نفوذهم وسيادتهم في ديارهم، وبطمس هويتهم المميزة، وبإخراس مطالبهم المشروعة في بحر من الأصوات الدخيلة عليهم.

والتغيير تم بالفعل تحت ستار الوحدة، مع صالح الذي حرّك النازحين جنوباً منذ العام الأول للوحدة، وبعد صالح. ولنا عبرة في محافظة المهرة، التي تزعم بعض المصادر بأن 80% من سكانها الحاليين من أصول شمالية، فماذا سيتبقى للمحافظة من طابعها الثقافي الخاص، وقبائلها الفريدة، وحتى لغاتها غير العربية؟

لماذا أصلاً أعيدك إلى 1990، وأذكّرك بتعامل صالح مع العمالة اليمنية المبعدة عن الخليج؟

فقط لأخبرك بأنك إذا ما شعرت يوماً باليقين بأن الجنوب العربي ما هو إلا فرع دونما حق في الاستقلال بذاته عن الأصل، فذلك لأن مشاريع كبرى وجبارة، وفي منتهى المكر والالتواء، وذات نتائج طويلة الأمد، قد بُذلت على مدار 53 عاماً هي عمر الجمهورية اليمنية لتكريس هذا التصور لديك، وفي مقدمها العبث بالديموغرافيا في الجنوب لإضعاف موقفه.