حراك شوارع إيران وإطلالة طهران على حضرموت

كتاب النهار 01-01-2026 | 06:13
حراك شوارع إيران وإطلالة طهران على حضرموت
من المبكر الاهتداء إلى قراءة واعية لتحرك الشارع في إيران لاستطلاع فارق في مسارات البلد. ومن الخطأ استسهال تفسير خروج المظاهرات "المطلبية" التي سبق أن شهدت البلاد قبل ذلك موجات منها أكثر قوة واتساعاً لم ترقَ إلى ما يهدد استقرار النظام. 
حراك شوارع إيران وإطلالة طهران على حضرموت
تعلّق إيران مشاكل البلد على مشجب العقوبات الاقتصادية (أ ف ب)
Smaller Bigger

من المبكر الاهتداء إلى قراءة واعية لتحرك الشارع في إيران لاستطلاع فارق في مسارات البلد. ومن الخطأ استسهال تفسير خروج المظاهرات "المطلبية" التي سبق أن شهدت البلاد قبل ذلك موجات منها أكثر قوة واتساعاً لم ترقَ إلى ما يهدد استقرار النظام. وفيما يسعى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى استيعاب الشارع والدعوة إلى الإنصات له، فإن "الدولة" ما زالت تعتبره هامشاً لمتن تراه في مكان آخر.

تعلّق إيران مشكلات البلد على مشجب العقوبات الاقتصادية حتى لو ذهب خصوم بزشكيان إلى المكابرة وحشر المشكلة بسوء إدارة ترتكبها حكومة إصلاحية. وفي خطاب المحافظين نفخ بما يُعدّه البلد ما استطاعه من قوة يتوعد بها الأعداء، وما يعوّل عليه من نموذج اقتصاد "مقاوم" يستند إلى عبقريات الظل والتهريب.

قد يوحي تحرّك الشارع بجديدٍ ترحبُ به الولايات المتحدة ويصفقُ له رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. وربما على أرضية الحدث في إيران بعث الرئيس الأميركي دونالد ترامب برسائل التهديد بحضور ضيفه الإسرائيلي. لكن مواقف الطرفين قد تخدم خطاب النظام في طهران أكثر من خدمة حراك الإيرانيين المواكب لتدحرج قيمة عملة البلاد وتراجع مؤشرات النمو.

وفيما تبدو طهران متعايشة مع "الانتفاضات" التي تضخّها أورام انسداد في السياسات البيتية وتلك المرتبطة بالوصل مع العالم، فإنها عالقة في آليات تبدو بالية بعد حرب حزيران/ يونيو الماضي وانقلاب موازين القوى بعد "طوفان الأقصى".

يعبر مقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في صحيفة "الغارديان" البريطانية، الثلاثاء، عن فقدان مخيلة حذقة لقراءة العالم. يكرّر برتابة أن بلاده "لا تخشى المفاوضات الجديّة من أجل التوصل إلى اتفاق عادل بشأن البرنامج النووي"، وهي ما زالت مستعدة لإبرام اتفاق على أن "يقوم على الاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة"، والأهمّ من كل ذلك أن "يتضمن رفعاً للعقوبات" وهنا بيت القصيد.

يكمن الحلّ في إيران برفع العقوبات، ويكاد يقول "فوراً"، ولا بأس من أجل ذلك بتزيين "الصفقة" ببعض من أبجديات الكرامة والاحترام وما تيسّر من توابل العناد والتمسك بالثوابت. بدا أن إيران تفقد اتجاهات الزمن بعد أن أضاعت دينامياتها داخل فلسطين نفوذها لدمشق، وتسعى لمقاومة منافسة واشنطن في العراق، والعبث بمصير لبنان، من خلال رسائل يتلوها زعيم "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم.

سعت إيران خلال الساعات الأخيرة للتطوّع للعب دور ما داخل الأزمة الأخيرة في جنوبي اليمن ومناطق حضرموت والمهرة. في 28 الشهر الماضي، تحدثت طهران عن أن عراقجي ناقش في اتصال مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان التطورات في جنوبي اليمن، وضرورة الحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها وضرورة تنفيذ خريطة الطريق.

وفي 29، سجل المراقبون خطوة وُصفت بغير المعتادة، بإعلان وزارة الخارجية الإيرانية رسمياً عن اتصال هاتفي جرى بين عراقجي ومسؤول في ميليشيا الحوثي، هو عبد الواحد أبو راس، القائم بأعمال وزارة الخارجية لحكومة الحوثيين في صنعاء. وهذه هي المرة الأولى التي تنشر فيها الخارجية الإيرانية بشكل علني تفاصيل تواصل مباشر من هذا النوع مع مسؤول في ميليشيا الحوثي، بعد سنوات كان فيها هذا النوع من الاتصالات يُدار بعيداً عن الإعلانات الرسمية.

وبحسب ما ورد في بيان الخارجية الإيرانية، ركّز الاتصال بصورة أساسية على مناقشة التطورات الجارية في جنوبي اليمن، وبدا أن طهران وجدت في المناسبة فرصة تبيح لها استعراض نفوذها في صنعاء، وجعله "ضرورة" لتدخل في شأن خيُّل أنه بات يوفّر بيئة حاضنة لسياسات تقف وراء كارثة اليمن منذ عام 2014. ولئن لم تجد إيران في اليمن والمنطقة سوقاً لشراء بضاعتها، فإنها من خلال مقال عراقجي تعيد دقّ أبواب واشنطن مغرية صاحب البيت الأبيض بوفاق وفق شروط تقادمت في زمن ما بعد "الطوفان".