.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
رويداً رويداً، يتحول القرن الأفريقي إلى برميل بارود، أرضه قواعد عسكرية، وسماؤه طائرات تجسس، وساحته خطط هيمنة، ما يجعلها من أكثر مناطق العالم سخونة وخطورة. ويأتي اعتراف إسرائيل بجمهورية أرض الصومال دولة مستقلة ليصب الزيت على النار في منطقة شديدة الاشتعال!
يقترن اعتراف إسرائيل بأولوياتها الاستراتيجية. ربطت وسائل إعلامها بين الاعتراف بأرض الصومال وقبولها بـ"تهجير" الفلسطينيين إليها، كما ترغب تل أبيب في إقامة قواعد استخباراتية ولوجستية، لتحويل أرض الصومال إلى "مركز إنذار مبكر" استخباراتي وعسكري، لمراقبة ومواجهة هجمات الحوثيين المنطلقة من اليمن، بالإضافة إلى تعزيز نفوذ تل أبيب حول باب المندب، أحد أهم ممرات التجارة العالمية، بمواجهة قوى إقليمية ودولية منافسة.
في السياق نفسه، يمنح الاعتراف الإسرائيلي سنداً لمذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال، والتي تسمح لأديس أبابا باستئجار 20 كيلومتراً، حول ميناء بربرة لمدة 50 عاماً، لأغراض تجارية وعسكرية مقابل الاعتراف بأرض الصومال. وجود إثيوبيا في مدخل البحر الأحمر يعني وجود "قوة وكيلة" تضمن المصالح الإسرائيلية في هذا الشريان الحيوي، وصولاً إلى ميناء إيلات، كذلك تحويل حركة الملاحة من جيبوتي المجاورة إلى بربرة، بحماية إسرائيلية إثيوبية أميركية، ولا سيما مع تزايد القلق الأميركي من تنامي نفوذ الصين في جيبوتي، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى وجود عسكري في بربرة.
ويأمل مسؤولو أرض الصومال في أن يشجع الاعتراف الإسرائيلي أطرافاً أخرى، أو حتى واشنطن، على اتباع خطوة مماثلة، برغم رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف "الآن" بكيان أرض الصومال. الاعتراف الأميركي، إن حدث في المدى القريب، يقود إلى اعترافات بالكيان الجديد، من بريطانيا وإثيوبيا وجنوب السودان وكينيا وأوغندا. صرّح جافلين ويليامسون وزير الدفاع البريطاني السابق بأن الرئيس الأميركي يعتزم الاعتراف بأرض الصومال، وأن الحكومة البريطانية ستحذو حذوه.
على الجانب الآخر، أثار الاعتراف الإسرائيلي ردود فعل غاضبة. أدانت دولة الصومال الخطوة بشدة، بوصفها انتهاكاً لسيادتها، يقوّض الجهود الدولية لإعادة بناء الدولة، ويفتح الباب أمام صراعات قانونية وسياسية في منطقة مضطربة. كذلك، أصدرت مصر والصومال وتركيا وجيبوتي بياناً مشتركاً، وصف الاعتراف الإسرائيلي بأنه "تطور خطير" يهدد السلام الإقليمي، مؤكدين دعمهم الكامل لمؤسسات الدولة الصومالية، ورفض أي محاولات لفرض كيانات موازية من شأنها تقويض أسس استقرار البلاد. تضع هذه التطورات دولاً داعمة لوحدة الصومال في "موقف دفاعي"، مثل مصر وتركيا والسعودية وإريتريا وجيبوتي والصين، خاصة أن محاولات انفصالية في جنوبي اليمن تختمر على الشاطئ المقابل من البحر الأحمر؛ لذلك قد تجد هذه الدول نفسها أمام "واقع مقلق" على مدخل خليج عدن. حذر أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركي السابق من أن إسرائيل تسعى لتطويق مصر وتركيا والسعودية، وهذا مذلّة للعالم الإسلامي، لافتاً إلى أن تل أبيب تريد في كل خطوة، فرض نظام هيمنة يمتدّ من بحر قزوين إلى عدن، ومن شرق المتوسط إلى الخليج العربي، داعياً إلى التحرك قبل أن تتفاقم الأمور بشكل خارج عن السيطرة.
ارتدادات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال قد تدفع مصر وتركيا وربما السعودية إلى "تحالف ضرورة"، لدعم الحكومة الصومالية الفيدرالية. القاهرة على وجه الخصوص تشعر بأن الخطوة الإسرائيلية مصوّبة إلى قلب مصالحها وأمنها، بالتعاون مع إثيوبيا وأطراف أخرى، في القرن الأفريقي أو مياه النيل. حلقة جديدة في صراع الإرادات بين القاهرة وتل أبيب، ولكلّ منهما فريقه ومدده، والآن ينتقل الفريقان من "إدارة الأزمات" إلى "الهجوم المعاكس". يلتف نتنياهو على الرفض المصري لتهجير الفلسطينيين من غزة، بفتح جبهة جديدة في القرن الأفريقي، عبر الاعتراف بـ"أرض الصومال"، التي تعد خياراً لتنفيذ "التهجير" إليها. وبينما تحاول مصر الإمساك بمفاتيح استقرار المنطقة، تسعى لبناء حائط صدّ، بالتعاون مع قوى إقليمية ودولية، لعزل تل أبيب، بوصفها "الكيان العابث" باستقرار المنطقة. تلوّح القاهرة بأن أي محاولة للمساس بأمنها القومي أو حدودها ستقابل بردود تجعل تكلفة المغامرة الإسرائيلية باهظة وغير قابلة للاحتمال.
تجد مصر تجاوباً من دول رئيسية، كالسعودية وتركيا والصين التي تخشى على مبادرة "الحزام والطريق"، التي تمر عبر قناة السويس. تتحسب هذه الدول من أن "إعادة هندسة" الأوضاع في القرن الأفريقي، شديدة الهشاشة والحساسية أمنياً واستراتيجياً، تؤجج نشاط جماعات العنف، مثل حركة الشباب أو الحوثيين، رداً على حضور إسرائيل الثقيل في المنطقة، ناهيك بأن "الاعتراف بأرض الصومال" يفتح الباب لتغيير الحدود الموروثة من حقبة الاستعمار في دول أفريقية، ويفضي إلى تمزيقها؛ لذا رفض الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والجامعة العربية وكذلك الاتحاد الأوروبي هذا التوجه الانفصالي.
الحقيقة التي لا يجوز إنكارها أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ليس فعلاً أحادياً، إنما نقلة استراتيجية، تكشف الضعف البنيوي للنظام الإقليمي العربي، ما سمح لقوى أصغر حجماً بأن تتحرك بأريحية، داخل الفراغ الاستراتيجي في الإقليم دون خشية!