.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في الأسابيع الأخيرة، فجّر إعلان إسرائيل اعترافها بـ"أرض الصومال" موجة واسعة من الجدل والقلق الإقليمي والدولي، تجاوزت حدود الخطوة الديبلوماسية التقليدية إلى أسئلة أعمق تتعلق بأمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقي، ومستقبل الصراعات المتشابكة في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة. فالاعتراف، الذي بدا في ظاهره خطوة سياسية رمزية، تحوّل سريعاً إلى عامل توتير استراتيجي، لأنه يلامس جغرافيا شديدة الحساسية عند تخوم خليج عدن وباب المندب، حيث تتقاطع خطوط التجارة العالمية مع حروب مفتوحة وصراعات مؤجلة.
ردود الفعل الغاضبة من مقديشو، ومن عواصم إقليمية ودولية، عكست إدراكاً جماعياً أن الخطوة تمسّ مبدأ وحدة الصومال، وتفتح الباب أمام سابقة قد تشجع نزعات الانفصال في منطقة لم تلتئم جروحها بعد. لكن ما زاد من حدة القلق أن الاعتراف جاء في لحظة انكشاف استراتيجي غير مسبوقة في القرن الأفريقي، حيث تحوّلت الموانئ إلى أدوات نفوذ، والاعترافات الديبلوماسية إلى أدوات ضغط، والتسهيلات البحرية إلى مفاتيح لإعادة رسم خرائط القوة.
من زاوية الحكومة الصومالية، يمثل الاعتراف الإسرائيلي تهديداً مباشراً لفكرة الدولة الفيدرالية ووحدة أراضيها، ويمنح الإقليم المنفصل غطاءً سياسياً قد ينعكس لاحقاً على ملفات شديدة الحساسية، مثل المساعدات الدولية، والاستثمارات، والتعاون الأمني، وربما التسليح. لذلك سارعت مقديشو إلى اعتبار الخطوة اعتداءً على السيادة، وأعلنت نيتها مواجهتها ديبلوماسياً وقانونياً، إدراكاً منها أن المعركة هنا ليست فقط على "أرض الصومال"، بل على نموذج الدولة الصومالية ذاته.
في المقابل، تنظر هرجيسا إلى الاعتراف باعتباره اختراقاً تاريخياً في مسار طويل من البحث عن الشرعية الدولية، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الانفصال غير المعترف به. غير أن هذا المكسب السياسي المحتمل يحمل في طياته مخاطر مضاعفة، إذ إن أي تقارب أمني أو استخباراتي مع إسرائيل قد يحوّل الإقليم إلى هدف محتمل لوكلاء إقليميين، أو لجماعات مسلحة تبحث عن عناوين جديدة للتعبئة والشرعنة.
هذا البعد الأمني لم يبقَ افتراضياً طويلاً. ففي 28 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، أعلن زعيم جماعة الحوثيين أن أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيُعد "هدفاً عسكرياً"، وهو تهديد نوعي لأنه ينقل الصراع نظرياً من مسرح البحر الأحمر قبالة السواحل اليمنية إلى مسرح أوسع يمتد نحو خليج عدن والسواحل المقابلة في القرن الأفريقي. هنا لم يعد الأمر مجرد استهداف سفن عابرة، بل احتمال توسيع رقعة الاشتباك الجغرافي، بما يزيد من تعقيد معادلات الردع والانتقام.
في خلفية المشهد، يقف الملف الإثيوبي–الصومالي قنبلة مؤجلة منذ مذكرة التفاهم التي وقّعتها إثيوبيا مع "أرض الصومال" مطلع كانون الثانييناير الماضي، للحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في مقابل حديث عن اعتراف إثيوبي محتمل. تلك الخطوة، التي رفضتها مقديشو وعدّتها بلا أثر قانوني، اعتبرتها تحليلات دولية محفزاً لتوترات أوسع، لأنها تمسّ توازنات السيادة والحدود والهوية في منطقة شديدة الهشاشة. ويأتي الاعتراف الإسرائيلي ليضيف طبقة جديدة من التعقيد فوق هذا الخلاف، عبر رفع القيمة الجيوسياسية لساحل "أرض الصومال" في حسابات اللاعبين الإقليميين والدوليين، حتى لو بقي التعاون المعلن في إطار مدني أو اقتصادي.
خطورة هذا التطور لا تنفصل عن الجغرافيا. فباب المندب ليس مجرد مضيق مائي، بل هو نقطة خنق حيوية لسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا، ومصدر دخل مباشر لقناة السويس، ومسرح اختبار لقوة الردع الإقليمي والدولي. منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، أدت هجمات الحوثيين على الشحن التجاري إلى دفع شركات كبرى لتغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، ما رفع زمن الرحلات وتكلفة الوقود والتأمين، وأدخل التجارة العالمية في حالة عدم يقين مزمنة. وحتى في الفترات التي تراجع فيها بعض الهجمات، ظل تقييم المخاطر مرتفعاً في البحر الأحمر وخليج عدن، مع ربط واضح بين مستوى التهديد والارتباط بإسرائيل وبمسارات التصعيد في غزة واليمن.
في هذا السياق المشحون، يخلق التهديد المرتبط بـ"أرض الصومال" معادلة جديدة، لا تتعلق باستهداف السفن فحسب، بل باحتمال استهداف أي تموضع أو تسهيلات على الضفة الأفريقية المقابلة، بما يحوّل الجغرافيا كلها إلى ساحة اشتباك محتملة. وتزداد المعادلة خطورة عندما تدخل الجماعات المتطرفة على الخط. فحركة الشباب لا تزال التهديد الأكبر داخل الصومال، بقدرات عملياتية معقدة وشبكات تمويل وتهريب عابرة للمناطق، بينما اكتسب تنظيم "داعش" في الصومال، رغم محدودية حجمه، أهمية متزايدة في الشبكة العالمية للتنظيم. الخطر هنا لا يتمثل في سيطرة هذه الجماعات على مضيق أو ميناء، بل في توسيع خياراتها لتهديد الشحن، أو لعب دور الوسيط في تهريب السلاح والتكنولوجيا، أو التنسيق التكتيكي مع أطراف أخرى، بما يرفع تكلفة التأمين ويزيد احتمالات العمليات النوعية.
تداعيات هذا التوتر لا تقف عند حدود الأمن البحري، بل تمتد إلى الاقتصاد السياسي لدول الممر. فقد أظهرت بيانات دولية أن حركة التجارة عبر قناة السويس تراجعت بنحو النصف في أول شهرين من عام 2024 مقارنة بالعام السابق، مع قفزة كبيرة في الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. هذا التراجع يضغط مباشرة على إيرادات مصر من العملة الصعبة، ويضيف أعباءً على أوروبا وآسيا، ويغذي تضخم تكلفة النقل والتأمين عالمياً. ومع استمرار عدم اليقين، بات سؤال شركات الشحن محورياً: هل عاد البحر الأحمر آمناً فعلاً، أم أن المخاطر البنيوية ما زالت قائمة؟
ويزداد المشهد تعقيداً مع البعد السوداني، إذ بدأت الحرب هناك تقترب من الساحل عبر هجمات بالمسيّرات على بورتسودان، ما ينقل الصراع إلى واجهة البحر الأحمر، مضيفاً عنصر عدم استقرار جديداً إلى معادلة مزدحمة أصلًا بالأزمات.
في ضوء هذه الصورة المركبة، يمكن تصور سيناريوهات عدة للمسار المقبل. أولها تصعيد مضبوط تحت سقف الردع، تبقى فيه الاعترافات في إطار رمزي، ويظل أي تعاون إسرائيلي–صومالي محدوداً وغير معلن، مع استمرار التهديد الحوثي في المستوى الخطابي من دون فتح جبهة واسعة. السيناريو الثاني أكثر خطورة، ويتمثل في انتقال التهديد إلى فعل رمزي عبر استهداف سفينة أو منشأة مرتبطة بإسرائيل أو بشراكة محتملة في "أرض الصومال"، مع ما يحمله ذلك من مخاطر خطأ التقدير والتداعيات البيئية والاقتصادية. السيناريو الثالث يقوم على تشابك الأزمات في القرن الأفريقي، عبر تشدد صومالي أو استثمار إقليمي للملف، بما قد يطلق سلسلة ردود تشمل اصطفافات جديدة واحتكاكات بالوكالة. أما السيناريو الرابع، والأخطر، فهو انزلاق الصراع عبر فاعلين من غير الدول، حيث تجد الجماعات المسلحة وشبكات التهريب فرصاً لتوسيع نفوذها وأرباحها، ما يجعل أي حادث محدود قادراً على تعطيل ممرات حيوية.
المسألة أبعد بكثير من خطوة ديبلوماسية، إنها اختبار لهشاشة القرن الأفريقي، ولقدرة البحر الأحمر على تحمّل صدمات إضافية.