هل المصادقة الجزائرية على قوانين " تجريم" الاستعمار بداية نهاية العلاقات مع فرنسا؟

كتاب النهار 30-12-2025 | 04:30
هل المصادقة الجزائرية على قوانين " تجريم" الاستعمار بداية نهاية العلاقات مع فرنسا؟
يبدو واضحاً أن العلاقات الجزائرية- الفرنسية تتجه الآن إلى متاهات لا أحد يعرف نهايتها وبخاصة بعد غلق الحكومة الفرنسية نوافذ الحوار في إطار التنازلات، وجراء هذا الاستعداد الجزائري للمضي قدماً في تنفيذ مشروع "تجريم" الاستعمار الفرنسي الذي دام قرناً وثلاثين سنة كاملة.
هل المصادقة الجزائرية على قوانين " تجريم" الاستعمار بداية نهاية العلاقات مع فرنسا؟
لماذا لا يوجد هناك طريق ثالث ديبلوماسي يمكن أن يفضي إلى تسوية جميع الخلافات الجزائرية الفرنسية العالقة؟
Smaller Bigger

قام البرلمان الجزائري (الغرفة السفلى) بترحيل حزمة من قوانين تجريم الاستعمار الفرنسي إلى مجلس الأمة (الغرفة العليا) للنظر فيها والمصادقة عليها. ويبدو واضحاً أن العلاقات الجزائرية- الفرنسية تتجه الآن إلى متاهات لا أحد يعرف نهايتها وبخاصة بعد غلق الحكومة الفرنسية نوافذ الحوار في إطار التنازلات، وجراء هذا الاستعداد الجزائري للمضي قدماً في تنفيذ مشروع "تجريم" الاستعمار الفرنسي الذي دام قرناً وثلاثين سنة كاملة.

في ضوء هذا الإجراء، يتساءل المراقبون السياسيون الجزائريون المحايدون: لماذا لا يوجد هناك طريق ثالث ديبلوماسي يمكن أن يفضي إلى تسوية جميع الخلافات الجزائرية- الفرنسية العالقة؟ وهل صحيح أن اعتراف فرنسا بسيادة المملكة المغربية على الصحراء الغربية هو القشة التي قصمت ظهر ما تبقى من الروابط بين الجزائر وفرنسا، أم أن الصراع بين البلدين هو من النوع الذي يمكن أن يدعي "فك الارتباط" نهائياً بين بقايا الذهنية والممارسات الكولونيالية الفرنسية وبين الطرف الجزائري الذي سئم هذا الإرث الثقيل؟

وفي هذا الصدد، يرى عدد معتبر من المحللين الجزائريين أن جوهر الصدام الجزائري- الفرنسي هو عرض ونتيجة لاعتبار الحكومات الفرنسية المتعاقبة الفضاء الجزائري مجرد حديقة خلفية لها، وأن استقلال الجزائر لا يعني خروجها من قبضة التبعية للدولة الفرنسية. وجراء هذه الخلفية المعقدة، فإن اعتراف الرئيس إيمانويل ماكرون بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية ليس سوى جزئية تضاف إلى الخلاف الكلي المتراكم الذي ما فتئ يعصف بالعلاقات الفرنسية- الجزائرية، والدليل على ذلك هو أن الجزائر قد أبقت على علاقاتها المتزنة مع عدد من الدول الأجنبية والعربية التي لا تعترف بالجمهورية الصحراوية منها مصر مثلاً.

وفي الحقيقة، هناك حساسية جزائرية خاصة جداً حيال فرنسا التي ترفض دائماً تصفية الأجواء بواسطة الاعتراف بجرائمها ذات الطابع الإنساني، وبكثير من الممارسات التي تدخل ضمن خانة "الإبادة الجماعية" باستخدام أسلحة الدمار الشامل، سواء ضد المواطنين العزل كما حدث في منطقة خراطة بالشمال الجزائري حيث تمت إبادة 45 ألف شخص في لحظة واحدة بالغازات السامة، أو حرق مختلف أنواع الثروات الوطنية بالنابالم كما حدث للغابات والمزارع، أو بواسطة تلويث الطبيعة بالتجارب النووية.

فالذاكرة الكولونيالية لدى الجزائريين معبأة بصور القتل العشوائي، والاغتصاب الجنسي للجزائريات، ونزع الملكية وتوزيعها على المعمرين الفرنسيين والمتحالفين مع الجيش الفرنسي، والنفي إلى كاليدونيا الجديدة وغيانا بأميركا اللاتينية، وتحطيم البنيات العائلية التقليدية التي تدخل ضمن الهوية الجماعية الجزائرية، فضلاً عن كسر "نموذج الإنتاج الأفريقي" الذي كان خاصية زراعية وفلاحية وثقافية وأخلاقية وطنية جزائرية مؤسسة على الملكية المشاعية التي تنتفي فيها التراتبية الطبقية.

بالنظر إلى هذا التراث الكولونيالي الفرنسي في الجزائر، فإن تشكيل اللجنة الفرنسية- الجزائرية لدراسة ملف "الذاكرة" الاستعمارية لم تقدر أن تقرّب وجهات النظر بين حكومات ماكرون المتعاقبة وبين الجانب الجزائري، وذلك رغم الجهود الكبيرة التي ما فتئ يبذلها رئيس اللجنة الفرنسية المؤرخ بنجمين ستورا الذي صرح مراراً مشيراً إلى مماطلة الطرف الفرنسي في الاعتراف بجرائم الحرب وتسوية قضية التفجيرات النووية في الصحراء الجزائرية، فضلاً عن خلق الحكومات الفرنسية العراقيل المتمثلة في فتح المجال الفرنسي لعدد من المعارضين الجزائريين، وفي المقدمة المغني الجزائري فرحات مهني الذي يقود حملة إعلان استقلال منطقة القبائل عن الجزائر فضلاً عن محاولات فرض فرنسا حزمة من القوانين التي تهدد مصالح الجالية الجزائرية.