.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تتراجع القدرة على الفصل بين الردع والسيطرة من جهة، والانزلاق غير المقصود نحو المواجهة الواسعة من جهة أخرى، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، بل على الصعيد العالمي.
ساحات الصراع تتداخل، وأدوات الضغط تتنوع وتتراكم. الخطر لا يكمن فقط في اندلاع الحروب المقصودة أو تلك التي تحدث لأسباب استباقية، بل أيضاً في إدارة الاقتراب من الحروب باعتباره خياراً محسوباً تماماً. أوروبا تعيش هذا التحول بقلق مكبوت، إذ باتت حرب أوكرانيا اختباراً تماماً لهشاشة المنظومة الأوروبية في مواجهة روسيا المنهكة، التي تصر على إعادة رسم قواعد الاشتباك مع الغرب، بناءً على ما تعتبره تآكلاً في الإرادة السياسية الأوروبية وتردداً أميركياً تتحكم به الحسابات الداخلية. الولايات المتحدة تدير شبكة أزمات مترابطة — فنزويلا، أوكرانيا، بحر الصين الجنوبي، الشرق الأوسط، حروب الرسوم والاقتصاد العالمي — تديرها بصورة تمنح لنفسها هامش الحركة، إلا أنها تحمل في الوقت ذاته بذور الإنهاك الاستراتيجي إذا ما فرض عليها الانتقال من إدارة المخاطر إلى خوضها. في منطقة الشرق الأوسط يراقب العالم حدود الردع الإيراني، سقف الدعم الأميركي لإسرائيل، وقدرة القوة الإقليمية على التأقلم والمناورة. فإلى أين تتجه المنطقة، وكيف ستتشابك القوى الكبرى مع اللاعبين الإقليميين في اختبار شامل للتوازنات؟
على الصعيد الدولي، الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على هيمنتها عبر أدوات متعددة، من القوة العسكرية والسياسية إلى الاقتصاد والديبلوماسية الذكية، مع مراقبة دقيقة لكل تحركات القوى الأخرى.
الصين وروسيا تعيدان ترتيب أولوياتهما، مستفيدتين من أي تراجع أميركي في مناطق النفوذ التقليدية والجديدة، بينما الاتحاد الأوروبي يكافح للحفاظ على مصالحه وسط هذا التحول الدولي السريع.
الحروب التقليدية لم تعد الوسيلة الوحيدة للنفوذ أو الردع، بل امتدت أدوات الضغط لتشمل التدخلات الاقتصادية، السيبرانية، الحملات السياسية والتحالفات الذكية، بحيث كل قرار استراتيجي في واشنطن أو موسكو أو بكين أو بروكسل يمتد أثره إلى مناطق النزاع، بما فيها الشرق الأوسط، الذي أصبح مختبراً عالمياً لتوازنات القوى.
في هذا الإطار، أي تحرك إيراني أو إسرائيلي أو تركي أو عربي لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الدولي الأوسع. قدرة كل لاعب على الموازنة بين القوة والضغط والمصالح الداخلية والخارجية تحدد نجاحه أو تعرضه للخطر.
الولايات المتحدة لا تسعى لضبط الشرق الأوسط من منظور محلي لأن أولوياتها في مكانٍ آخر. تريد تثبيت قواعد النفوذ الأميركي إنما بعيداً عن إدارة الأزمات. إدارة ترامب تفضّل تجنب التصعيد في أي جبهة إقليمية ولا تريد اختباراً لقدرتها على إدارة التحالفات والحفاظ على ميزان القوى العالمي. ما يشكل تحدياً رئيسياً لإدارة ترامب هو تلك الرقصة المعقدة بين العقيدتين الإيرانية والاسرائيلية.