إسرائيل وإيران وبينهما الولايات المتحدة

كتاب النهار 26-12-2025 | 05:07
إسرائيل وإيران وبينهما الولايات المتحدة
نتنياهو يحاول أن يعزز مكانة إسرائيل في الاستراتيجية الأميركية إزاء المنطقة، بالتكيف معها، وليس بالانفكاك عنها، وعبر تأكيد أولوية استمرار حالة العداء والحرب ضد إيران، للتخفف من التزاماته إزاء الولايات المتحدة، في ملفات غزة، وسوريا ولبنان، في نوع من مقايضة سياسية...
إسرائيل وإيران وبينهما الولايات المتحدة
نتنياهو "بن غوريون" الثاني؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

تحاول الأطراف المحسوبة على محور "المقاومة والممانعة"، المراهنة على فك الارتباط بين السياسة الأميركية في عهد الرئيس ترامب، والسياسة التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية، أي حكومة المتطرفين، برئاسة نتنياهو.

عملياً، هذه المراهنة في غير محلها، أولاً، لأنها تغفل طبيعة العلاقة الوطيدة التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة. ثانياً، لأنها تتجاهل تاريخ العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية، الذي لا يخلو أحياناً من تعارضات ثانوية، وطارئة، دون أن تخل بالتوافقات الأساسية. ثالثاً، لأن الرئيس الأميركي هو الأكثر تماهياً مع سياسات إسرائيل بقيادة نتنياهو.

إن مراجعة لسياسات إدارة ترامب، في عهده الأول (2017 - 2021)، والأشهر الأولى لعهده الثاني (2025)، تؤكد ذلك، فهو صاحب مشروع "صفقة القرن"، وقطع التزامات الولايات المتحدة باتفاق أوسلو، وشطب البعد الفلسطيني في عملية التسوية، مع إضفاء مشروعية على الاستيطان، وضم إسرائيل لهضبة الجولان السورية، إضافة إلى إغلاقه مكتب منظمة التحرير، ووقف تمويل منظمة "الأونروا"، ووقف المساعدات للسلطة الفلسطينية، بل إنه في بداية عهده الثاني، طرح فكرة نقل سكان غزة، وقام بمد إسرائيل بأسلحة نوعية مدمرة، كانت إدارة بايدن منعتها عن إسرائيل، إضافة إلى أن الولايات المتحدة شاركت في عهده في حرب إسرائيل ضد إيران (حزيران/ يونيو 2025).

على ذلك يبدو غريباً الإيحاء من قبل قادة إيرانيين، أو قادة في "حماس"، إظهار وكأن "العقلانية"، هبطت عليهم فجأة، أو أن "الواقعية" باتت في مركز خياراتهم، في حديثهم عن تفكك علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة، وطلبهم من الإدارة الأميركية الضغط على إسرائيل لوقف سياساتها الحربية، والأخذ بالاعتبار استعداد إيران، و"حماس" للتكيف.

في الواقع، فإن الولايات المتحدة هي ذاتها، في دعمها لإسرائيل، وتغطيتها لسياساتها، ما يعني أن الظرف، أو الواقع، في المنطقة هو الذي تغير، بخاصة بعد حرب الـ12 يوماً على إيران (صيف 2025)، بإعادتها خلف حدودها، وانحسار نفوذها، كلياً أو جزئياً، في بلدان دول المشرق العربي، من لبنان إلى سوريا إلى العراق، مع انهيار نظام الأسد، وتقويض القدرات العسكرية لـ"حزب الله".

هكذا يمكن إحالة التغير الحاصل في السياسة التي تنتهجها إدارة ترامب إلى أنها باتت مطمئنة إلى ضمان أمن إسرائيل على المدى الاستراتيجي، باختفاء الواقع الذي كانت تواجه فيه تحديات، أو مخاطر، عديدة.

فمن وجهة نظرها فإن إسرائيل أثبتت قدرتها على الحرب في عدة جبهات، مع دعم أميركي طبعاً، وأن الأطراف التي كانت تهدد أمن إسرائيل اختفت، أو أضعفت كثيراً، وأنه تبعاً لتلك الظروف يفترض إدخال تغييرات على السياسة الأميركية تأخذ في الاعتبار فرض هندسة جديدة في المنطقة، بالتعاون مع أطراف آخرين، وهذا يشمل المملكة العربية السعودية، وتركيا، مع الأخذ بالاعتبارات التي تشجع هذه الأطراف على ذلك.

تبعاً لهذه الرؤية بات يمكن الحديث عن اختلاف ما في أولويات الطرفين الأميركي والإسرائيلي، إذ إن إسرائيل، في ظل حكومة المتطرفين تريد استغلال الظرف الراهن لمتابعة حرب الإبادة في غزة، ليس لاستئصال "حماس" فقط، وإنما للتخلص من أكبر عدد من الفلسطينيين في غزة. أيضاً تتوخى إسرائيل أن يصل الأمر إلى حد وأد مشروع الدولة الفلسطينية في الضفة نهائياً، وليس في قطاع غزة فقط.

في المقابل، فإن الولايات المتحدة لم تعد ترى ما يشكل خطراً على إسرائيل، بعد كل ما جرى في المشرق العربي، وبعد إضعاف، أو تكييف، مشروع الدولة الفلسطينية مع الاشتراطات الأميركية والإسرائيلية (الإبقاء على الاستيطان، ودولة منزوعة السلاح، وعدم حل القضايا الأساسية للقضية الفلسطينية).

وبالنسبة لموضوع إيران، فإن الولايات المتحدة تعتقد أن إيران باتت ضعيفة، وأن الأمر بات يتطلب، بعد ضرب المفاعلات النووية، مزيداً من الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية، وضمن ذلك تفكيك البنى الميليشيوية التابعة لإيران في لبنان والعراق، وإضعاف قدرتها على مراكمة قوة صاروخية، في حين ترى إسرائيل أن هذا الوضع يتطلب توجيه ضربة عسكرية أخرى، تحسم في إضعاف قدرة إيران الصاروخية، وصولاً لإضعاف نظام الحكم في طهران.

بيد أن المشكلة الأهم لإسرائيل تتعلق بأن الولايات المتحدة باتت تعتمد على أطراف أخرى في هندستها للمنطقة، وهنا يأتي دور المملكة العربية السعودية، وتركيا، تبعاً للعلاقة الوطيدة التي باتت تربط الرئيس الأميركي بولي العهد السعودي، مع تدفقات السلاح إلى السعودية، ومساعدتها في برنامجها النووي السلمي، وتلبية طلبها بخصوص ربط أي تقدم في ترتيبات المنطقة بالوعد بإقامة دولة فلسطينية، كما بالاعتماد على تركيا في تعزيز الاستقرار في سوريا وفي غزة.

على ذلك، فإن نتنياهو يحاول أن يعزز مكانة إسرائيل في الاستراتيجية الأميركية إزاء المنطقة، بالتكيف معها، وليس بالانفكاك عنها، وعبر تأكيد أولوية استمرار حالة العداء، والحرب، ضد إيران، للتخفف من التزاماته إزاء الولايات المتحدة، في ملفات غزة، وسوريا ولبنان، في نوع من مقايضة سياسية، وفي كل ذلك جانب شخصي له، للظهور كـ"بن غوريون" الثاني، إن لم يكن الأول، الذي استطاع أن يأخذ إسرائيل إلى التغلب على كل أعدائها.