.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
حتى وإن لم تُعلن الحاكمية الشيعية في المرحلة المقبلة، فإن كل المعطيات التي أفضت إليها نتائج الانتخابات الأخيرة تؤكد أن الخيار الإيراني قد انتصر وأن العراق مقبل على واحدة من أشد فتراته ظلاماً.
ما لم يكن يتخيله أحد قبل ربع قرن أن يكون العراق مرتعاً لفساد غير مسبوق تاريخياً. وليس من المبالغة القول إن البيئة الفاسدة التي صار العراق مسرحها بإمكانها أن تصدم أكثر مصممي الفساد إتقاناً لمهنته.
فاق تطبيع الفساد كل تصور مسبق. لقد عرفت الدول، كل الدول عبر العصور الفساد بأنواع ودرجات مختلفة. أما أن تكون الدولة كلها فاسدة وأن يكون موظفوها مجرد براغ في ماكينة ذلك الفساد فهو ما لم يحدث إلا في العراق.
العراق الذي مُزق نسيجه الاجتماعي بطريقة قانونية، يوم تحول شعبه بحكم الدستور الجديد إلى مكونات، هو بلد دولته أضعف من الأحزاب والميليشيات التي استولت على الحياة السياسية فيه، لا من أجل تصريف شؤون شعبه اليومية بل من أجل نهب ثرواته التي هي بالنسبة لمرجعياتها الدينية لا مالك لها أو هي تعود حسب ما هو معلن إلى الإمام الغائب. وهو ما يجيز لأحفاد ذلك الأمام المفترضين الإستيلاء عليها. ذلك طبعاً إعلان عن الاستيلاء على عائدات النفط العراقي بطريقة شرعية. أما ما لم يُعلن عنه أن النفط كان يُسرق ويُهرب من أحزاب شيعية منذ عشرين سنة ولم يستدعها أحد للمساءلة. حزب الفضيلة على سبيل المثال يحصل على حصته من نفط البصرة من غير أن يشارك في حكومات بغداد ولا مجلس نوابها.
واجهة المظلومية الدائمة
ولكن ماذا عن النظام الفيدرالي في العراق الذي تقوده الأحزاب الشيعية؟ ليس صحيحاً أن الإدارة الكردية في شمال العراق تتبع في قراراتها السيادية حكومة بغداد. بالقوة نفسها ليس صحيحاً أن البيشمركة وهي الميليشيا الكردية تخضع لأوامر القائد العام للقوات المسلحة. كما أن الأحزاب (السنية) التي تم تعليبها إيرانياً صارت حرة في استعمال الأموال التي تردها من الخارج في تكريس نفوذها المستقل في المناطق الغربية. العراق في حقيقته دولة لا تملك سيادة على أراضيها وهو ما يعني أنه عبارة عن مشروع تقسيم مؤجل.
في ظل ذلك الوضع المهشم لا يكف زعماء الأحزاب الشيعية عن التحذير من إمكان عودة البعث إلى الحكم من أجل إنهاء حكم الغالبية الشيعية في إيحاء بأن الشيعة هم الذين يحكمون العراق فعلاً. وهو ما يخالف الحقيقة. لقد تمت أدلجة أبناء الطائفة المغرر بهم والمضللين بطريقة تخدم أجندات الأحزاب والميليشيات التي تحولت تدريجاً بفعل الفساد المالي المتراكم والتسيب الإداري وغياب الضمير الوطني، إلى إمبراطوريات مالية لا يعنيها أن تبدل ولاءاتها السياسية في أي لحظة مع الحفاظ على هامش الشعارات الطائفية لإبقاء الشيعة سجناء خوف لا أساس له في الواقع.
وإذا ما كان نوري المالكي مدفوعاً بجنون السلطة المطلقة قد سبق الجميع في الدعوة إلى إنهاء نظام المحاصصة الطائفية من أجل أن تُتاح للطائفة الأكبر فرصة الحكم، فإن أتباعه وهم يقتدون بمنهجه ينادون اليوم بالحاكمية الشيعية. تلك مرحلة يمكن أن تكون أشد مراحل العراق الحديث ظلاماً بسبب ما ستشهده من عمليات نهب منظم للثروات، تكون الدولة غطاءها القانوني بعد أن أحكمت الفصائل المسلحة قبضتها على كل بواباتها. حتى الممارسات النسبية للتعبير عن الرأي ستختفي نهائياً في ظل قانون طوارئ ضمني، عبّر عنه القرار الذي أصدرته المحكمة العليا بتجريم كل من يحرّض على النظام السياسي. وهو القرار الذي تم سحبه بتأثير مباشر من الضغوط الأميركية.
إبحث عن إيران
لا يحتاج الحشد الشعبي الآن إلى إعلان دولته في العراق بعد أن صارت تلك الدولة واقعاً. لم تعد هناك حاجة لكي تشهر الفصائل المسلحة سلاحها في وجه الحكومة أو تهدد بإخراج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، ما دامت الدولة قد أصبحت ملكها. كما أن إيران قد سمحت لها بتحييد سلاحها (المقاوم) في مواجهة الوجود العسكري الأميركي الذي يعتقد الإيرانيون أن في الإمكان ترويضه من خلال خداعه بالهدنة. من مصلحة إيران في هذه المرحلة أن يبقى العراق بعيداً عن الصراع المباشر وتجلياته التي لا يمكن التنبؤ بها. وإذا كان مطلوباً أن يكون العراق محمية أميركية فلا بأس بذلك. ما يهم إيران ألا يتم استدراج فصائلها في العراق إلى الفخ الذي سقط فيه "حزب الله" وكان ذلك تدبيراً إيرانياً خاطئاً. أما ما تبقى فإن أي حكومة تنتمي إلى تحالف الإطار التسيقي ستتكفل تنفيذه بما يحفظ لإيران مصالحها وعلى الأخص على مستوى تدفق العملة الصعبة من العراق.
عن طريق ذلك تحافظ إيران على سلامة فصائلها المسلحة، كما أنها تصون مصالحها عن طريق حكومة مضمونة الولاء من جهة احتكارها تمثيل الكتلة البشرية الأكبر في العراق. غير أنها في الوقت نفسه غير معنية بالأوضاع المعيشية الصعبة التي تعيشها تلك الكتلة التي صارت بالنسبة للأحزاب التي تنادي بالحاكمية الشيعية مجرد أداة يتم استعمالها حين الانتخابات ومن ثم يجري رميها وإهمالها بعد أن يتم تفعيل العوامل الطائفية التي تعزلها وطنياً وتعزز فيها روح الخضوع للمسيرات الجنائزية التي تعددت مناسباتها، بحيث أصبح العراقيون يهدرون الجزء الأكبر من أوقاتهم في إحياء المناسبات الدينية ذات الطابع الطائفي.
حتى وإن لم تُعلن الحاكمية الشيعية في المرحلة المقبلة، فإن كل المعطيات التي أفضت إليها نتائج الانتخابات الأخيرة تؤكد أن الخيار الإيراني قد انتصر وأن العراق مقبل على واحدة من أشد فتراته ظلاماً.