.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لم تكن مجرد خريطة عابرة نُشرت على حساب رسمي، ولا تفصيلاً تقنياً يمكن تجاوزه بسوء تصميم أو سهو إداري. كانت لحظة صدمة باردة، من تلك اللحظات التي تتسلل بهدوء لكنها تترك أثراً عميقاً. حين نشرت وزارة الخارجية السورية خريطة للدولة خالية من هضبة الجولان، بدا الأمر كأن شيئاً ما انكسر في الوعي الجمعي قبل أن يُكسر على الورق. خريطة بلا الجولان نُشرت بلا شرح، وبلا تبرير، وفي سياق احتفالي برفع قانون قيصر، كأنها توثيق صامت لتنازل رمزي عن أرض عربية ظلّ اسمها لعقود مرادفاً للسيادة والحق والمقاومة.
الصدمة لم تكن في الخطوة وحدها، بل في برودها. في الطريقة التي ظهرت بها الخريطة وكأن الجولان لم يكن يوماً هناك، وكأن التاريخ يمكن إعادة ترتيبه بجرة فأرة، وكأن الذاكرة الوطنية قابلة للتعديل مثل ملف رقمي. هنا لم يعد السؤال عن خطأ تقني أو سوء تقدير، بل عن معنى أن تُمحى أرض محتلّة من خريطة دولة، في لحظة سياسية شديدة الحساسية، من دون كلمة واحدة تشرح أو تبرر أو حتى تعتذر.
الجولان، تلك الهضبة الاستراتيجية التي احتلّتها إسرائيل عام 1967، وأعلنت ضمّها رسمياً عام 1981، لم تكن يوماً مجرد مساحة جغرافية على الخريطة السورية. لعقود طويلة، شكّلت الجولان ركيزة أساسية في الخطاب الوطني السوري، ورمزاً للسيادة الكاملة، وملفاً حاضراً في الوعي الجمعي بوصفه أرضاً لا تسقط بالتقادم. ورغم اعترافات محدودة بسيادة إسرائيل عليها، لا يزال المجتمع الدولي، وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، يعتبر الجولان أرضاً سورية محتلة.
ما جعل الخطوة صادمة أن الخريطة الجديدة، الصادرة عن جهة رسمية سيادية، تُعدّ الأولى من نوعها التي تُظهر سوريا بلا الجولان. ولم يقف الأمر عند ذلك، بل تزامن أيضاً مع غياب لواء إسكندرون عن الخريطة، وهو ملف تاريخيّ آخر شديد الحساسية، وإن كان مختلف السياق، لكنه متصل بالذاكرة السياسية والجغرافية السورية. هذا التلاقي في الغياب فتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول ما إذا كنا أمام مجرد خطأ عارض، أم مؤشر إلى تحوّل أوسع في طريقة تعريف الدولة لحدودها وروايتها الرسمية.
ردود الفعل جاءت حادة ومتباينة. فريق رأى في الأمر خطأً تقنياً أو تقصيراً في التصميم لا أكثر، وربما استعجالاً في النشر دون مراجعة دقيقة. لكنّ فريقاً آخر اعتبر الخريطة إقراراً ضمنياً بتغيّر في الموقف السياسي السوري، أو على الأقل تعبيراً عن انتقال من خطاب السيادة والمطالبة التاريخية إلى مقاربة أكثر بروداً وواقعية، تُقرّ بواقع الاحتلال الطويل دون أن تعلن التخلي عنه صراحة. بالنسبة إلى هؤلاء، فإن غياب الجولان عن الخريطة لا يُقرأ كتفصيل فني، بل كرسالة سياسية مكتملة الرموز.
كثيرون اعتبروا الخطوة تنكّراً لخطاب طويل رُفع فيه شعار "تحرير الجولان" بوصفه أولوية سيادية لا تقبل المساومة. في المقابل، حاول آخرون تبرير ما جرى بالقول إن الخريطة ارتبطت بسياق الاحتفاء برفع قيصر، ولا تعبّر بالضرورة عن تحوّل استراتيجي دائم، وربما كانت مادة غير مدققة جرى استخدامها على عجل، أو تسريباً غير مقصود ضمن منشور احتفالي.
لكن النقاش تجاوز سريعاً حدود التصميم والخطأ الفني، ليصل إلى عمق التحولات السياسية والجيوسياسية التي تعيشها سوريا اليوم. ففي عام 2025، لم تعد الدولة السورية كما كانت قبل سنوات الحرب الطويلة: سيادة منقوصة، نفوذ متنازع عليه، تعدّد قوى داخلية وخارجية، وتراجع القدرة على الإمساك الكامل بالجغرافيا أو الخطاب. في هذا السياق، يبدو تراجع الحضور الرمزي للجولان على الخريطة انعكاساً لتراجع أوسع في الخطاب الرسمي الثابت الذي طالما قدّم استعادتها كأولوية استراتيجية.
يضاف إلى ذلك أن المنطقة بأسرها تشهد إعادة ترتيب في موازين النفوذ. إسرائيل تواصل تكريس سيطرتها على الجولان، وتتعامل معه بوصفه جزءاً من أمنها القومي، مدعومة بوقائع ميدانية واستيطانية متزايدة. في المقابل، يظلّ الموقف الدولي متردّداً: رفض قانوني للضم، يقابله عجز عملي عن تغييره. وفي هذا المناخ، لا تبدو الخرائط مجرد رسومات، بل أدوات سياسية تعكس توازنات القوة أكثر مما تعكس الحقوق.
لهذا، فإن نشر خريطة بلا الجولان لم يكن حدثاً عابراً أو تفصيلاً هامشياً، بل علامة على تحوّلات رمزية عميقة في لحظة شديدة الحساسية من التاريخ السوري المعاصر. فالجولان، بالنسبة إلى السوريين، لم يكن مجرد أرض محتلة، بل هو اختزال لمعنى السيادة والمقاومة والهوية. وغيابه عن خريطة رسمية صادرة عن جهة حكومية يمسّ وجداناً وطنياً عميقاً، ويعيد فتح سؤال العلاقة بين الدولة ورمزيتها، وبين الواقع السياسي والخطاب التاريخي.
يبقى التناقض الأكبر بين الواقع والمأمول. فالخريطة قد تكون إقراراً ضمنياً بواقع الاحتلال الطويل، أو دعوة غير معلنة لإعادة التفكير في أدوات المطالبة بالسيادة على ضوء موازين القوى الراهنة. لكنها، في كل الأحوال، لا تعكس الحلم الذي عاشت عليه أجيال سورية، ولا الصورة التي تشكّلت في الذاكرة الوطنية على مدى عقود.
حتى لو تغيّرت الخرائط، يبقى السؤال مفتوحاً، هل سيظل الجولان حاضراً كحقّ غير قابل للنسيان، أم ستتآكل الرموز تدريجياً تحت ضغط الواقع؟ المؤكد أن ما جرى ليس مجرد خطأ عابر، بل لحظة كاشفة، تقول الكثير عن سوريا اليوم، وعن المسافة المؤلمة بين ما هو كائن، وما كان يُفترض أن يكون.