المرحلة الثانية لاتفاق غزة: من يخطو أولاً!

كتاب النهار 23-12-2025 | 04:15
المرحلة الثانية لاتفاق غزة: من يخطو أولاً!
تتصدر معضلة نزع سلاح حركة "حماس" واجهة التحديات المرتبطة بالانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بوصفها العقدة الأكثر تعقيداً وحساسية...
المرحلة الثانية لاتفاق غزة: من يخطو أولاً!
الإصرار الإسرائيلي–الأميركي على نزع سلاح "حماس" يصطدم بواقع ميداني وسياسي معقد. (أ ف ب)
Smaller Bigger

تتصدر معضلة نزع سلاح حركة "حماس" واجهة التحديات المرتبطة بالانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بوصفها العقدة الأكثر تعقيداً وحساسية في ظل الإصرار الإسرائيلي–الأميركي على إدراج هذا الملف كشرط مركزي لأيّ انسحاب عسكري كامل أو ترتيبات سياسية لاحقة. فمن منظور تل أبيب وواشنطن، لا يمكن الحديث عن "اليوم التالي" في غزة من دون تفكيك القدرات العسكرية للحركة، باعتبار ذلك ضمانة أمنية طويلة الأمد. لكن هذا الطرح، عند إخضاعه للتحليل الواقعي، يصطدم بسلسلة من التناقضات السياسية والأمنية التي تجعل تنفيذه في المدى المنظور بالغ الصعوبة.

تكمن الإشكالية الأولى في التزامن المطلوب بين نزع السلاح وانسحاب الجيش الإسرائيلي. فإسرائيل تطالب بنزع سلاح "حماس" قبل استكمال انسحابها، أو على الأقلّ بالتوازي معه، خشية إعادة بناء القدرات العسكرية للحركة فور خروج قواتها من القطاع.
في المقابل، ترى "حماس"، ومعها قوى فلسطينية أخرى، أن أي حديث عن نزع السلاح في ظل استمرار الاحتلال أو بقاء قوات إسرائيلية داخل غزة يفتقر إلى الحد الأدنى من المنطق السياسي، ويُنظر إليه كاستسلام أمني، لا كجزء من تسوية متكاملة. وهذا التناقض يخلق معضلة "من يخطو أولًا"، ويجعل من ملف نزع السلاح قنبلة سياسية موقوتة تهدد بتعطيل المرحلة الثانية برمتها.

وتزداد هذه المعضلة تعقيداً إذا ما أُخذ في الاعتبار أن المرحلة الأولى من الاتفاق، رغم نجاحها النسبي في توسيع المساعدات الإنسانية، وتسليم جثامين الأسرى، والانسحاب الجزئي لقوات الاحتلال، لم تُنتج بعد إطاراً سياسياً جامعاً يمكن البناء عليه لمعالجة القضايا الجوهرية؛ فالانتقال إلى المرحلة الثانية لا يتعلق فقط بترتيبات أمنية، بل بإعادة تعريف موازين القوة والشرعية داخل قطاع غزة، وهو ما يفسّر حساسية ملف السلاح باعتباره أحد أعمدة هذه الموازين.

في هذا السياق، يكتسب التوقيت الإقليمي والدولي أهمية مضاعفة، خاصة مع اللقاء المرتقب بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي في فلوريدا في التاسع والعشرين من الشهر الجاري؛ فمن المتوقع أن يشكل هذا اللقاء منصة لتكريس الموقف الأميركي الداعم للرؤية الإسرائيلية بشأن نزع سلاح "حماس"، وربط إعادة إعمار غزة وشكل الإدارة المستقبلية فيها بمدى التقدم في هذا الملف. لكن قدرة نتنياهو على تحويل هذا الدعم إلى مسار عملي تظلّ رهينة بتوازنات داخلية إسرائيلية معقدة، وضغوط يمينية ترفض أي انسحاب لا يقترن بتغييرات جذرية في الواقع الأمني للقطاع.

وسط هذه التعقيدات، يبرز الدور المصري كعنصر توازن حاسم في محاولة تفكيك هذه العقدة دون تفجير الاتفاق. فمصر، التي لعبت دوراً محورياً في تثبيت وقف إطلاق النار وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، تنطلق في مقاربتها من إدراك عميق لاستحالة فرض نزع سلاح شامل وفوري في بيئة غير مستقرة سياسياً وأمنياً. ومن ثم، تدفع القاهرة باتجاه حلول تدريجية وواقعية، تفصل بين تثبيت التهدئة، وبناء سلطة مدنية قادرة على إدارة القطاع، وبين معالجة الملفات الأمنية الكبرى ضمن مسار سياسي أوسع، يضمن عدم الانزلاق إلى فراغ أمني أو صدام داخلي؛ وهذا ما عبّر عنه أول من أمس وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي. وتتقاطع هذه الرؤية مع ما جاء في البيان الختامي للاجتماع الذي ضمّ مسؤولين من مصر وتركيا وقطر إلى جانب المبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف في ميامي، حيث جرى التأكيد على تمكين هيئة إدارية في غزة تحت سلطة موحدة لحماية المدنيين والحفاظ على النظام العام. لكن هذا الطرح، من منظور تحليلي، يبقى مرهوناً بحسم العلاقة بين هذه الهيئة والقوى المسلحة على الأرض، وفي مقدمها "حماس"، وهي علاقة لا يمكن ضبطها بقرارات فوقية أو ضغوط خارجية فقط.

في الإطار نفسه، يبرز مقترح إنشاء "مجلس السلام" كإدارة انتقالية لإعادة الإعمار في غزة، بدعم من مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة. ورغم أن هذا المقترح يسعى إلى تجاوز الانسداد السياسي عبر ربط الإعمار بالاستقرار، فإنه يظل معرضاً للفشل إذا جرى تحميله أعباء ملف نزع السلاح دفعة واحدة، من دون توفير ضمانات سياسية حقيقية أو أفق واضح لإنهاء الاحتلال ورفع الحصار.

أما على مستوى إعادة الإعمار، فإن ربطها الصريح أو الضمنيّ بنزع سلاح "حماس" يطرح إشكالية أخلاقية وسياسية في آن واحد. فالتعامل مع الإعمار كأداة ضغط قد يؤدي إلى إبطاء تعافي غزة وتعميق معاناة سكانها، وهو ما تحذر منه القاهرة باستمرار، مؤكدة أن الإعمار يجب أن يكون مدخلًا للاستقرار لا رهينة لشروط أمنية قصوى، يصعب تحقيقها في المدى القريب.

خلاصة المشهد أن الإصرار الإسرائيلي–الأميركي على نزع سلاح "حماس" باعتباره مفتاح المرحلة الثانية يصطدم بواقع ميداني وسياسي معقد، يجعل من هذا الملف المعضلة الأهم والأخطر في آن واحد؛ فنجاح المرحلة الثانية يتوقف على القدرة على إدارة هذا الملف بحسّ سياسي عالٍ، يوازن ما بين المتطلبات الأمنية والحقوق السياسية؛ وفي القلب من ذلك الدور المصري الذي يسعى إلى تحويل المعادلة من منطق الإملاءات إلى منطق التسويات القابلة للاستمرار، حفاظاً على استقرار غزة.