عربي شوية شوية

كتاب النهار 20-12-2025 | 06:47
عربي شوية شوية
بعد ما يزيد عن 10 سنوات من السؤال: "مرحبا، تتكلم عربي؟"، لا أدري بصراحة إن كنت شجعت أجنبياً واحداً على تعلّم لغتي، ولكنني أتخيل نفسي أبذر بذرة وأترك أمرها للّه. 
عربي شوية شوية
لغتنا العربية في يومها العالمي تستحق منا شرف هذه المحاولة.
Smaller Bigger

كنت أقف في الورشة بانتظار وضع اللمسات الأخيرة على سيارتي حينما "استنجد" بي زبون أجنبي، فالميكانيكي عربي الجنسية لا يفهم حديثه.

وبعد تدخّلي بالترجمة، قال لي الزبون الأجنبي بثقة يُحسد عليها، "انصحي الميكانيكي بتعلّم بعض اللغات ليحسن التواصل مع زبائنه، كالقليل من الإنكليزية والهندية والمالايالام والفارسية والتاغالوغ". ويبدو أن اللباقة العربية المفرطة مع الضيوف ربطت لساني، فلم أقصفه بالرد المفحم "وما بالك أنت لا تتعلم القليل من العربية؟"

الخلل فينا، وليس في زبون الورشة، فنحن في الدول الخليجية قلما نشعر أي وافد أو زائر أجنبي بالحاجة إلى التعرّف على لغة الضاد، ناهيك بإتقانها. ما إن نرى الأجنبي حتى نبادره بالتحدث بالإنكليزية، بل وبلكنة "محسّنة" ليستسيغها ويستوعبها، فنمدّله بأنفسنا جسر التواصل المريح، ونعفيه من ضرورة تعلّم شيء من لغتنا، وقطع منتصف الطريق باتجاهنا.

وقبل أن تسيئوا الفهم، فلست أتمنى أن نصبح بتعنت الفرنسيين -مثلاً- الذين كثيراً ما أسمع عن تجاهلهم واحتقارهم للأجنبي غير المتحدث بالفرنسية، حتى وإن كان سائحاً لن يقضي سوى فترة قصيرة في بلادهم. ولست أتمنى أن نصبح بتشنّج الأتراك -مثلاً- ضد اللغات الأخرى، وهم الذين قلبوا الدنيا ولم يقعدوها في 2022 حين أنتجت شركة "إل سي وايكيكي" التركية قمصان أطفال تحمل عبارة باللغة العربية! ليست الكراهية والزينوفوبيا من طبعنا ولا من أخلاقنا، ولا هي في "حمضنا النووي". وبراغماتياً، لا أعتقد أصلاً بأن العنصرية المقيتة والتنمر سيأتيان أكلهما، وسيدفعان أي أجنبي لتعلّم العربية.

ولكن ثمة "تقنية" أستخدمها منذ أكثر من عقد من الزمن، وأحاول تطبيعها بين معارفي.

ببساطة، إنّي أفتتح محادثاتي مع أي أجنبي من حولي، وأياً ما كان عرقه أو إثنيته أو جنسيته أو وظيفته أو منصبه أو مستواه التعليمي أو مستواه الثقافي، بعبارة "مرحبا، تتكلم عربي؟". فقط.

إنّي أقولها للنادل مثلما أقولها للطبيب، وأسأل موظفي المصارف كما أسأل عمّال النظافة، وستسمعها مني في الشارع وفي الأسواق وفي اجتماعات العمل على حد سواء. وفي أغلب الأحيان، يأتي الجواب بـ"نو"، فنستأنف الحديث بالإنكليزية. وفي أحيان نادرة، يأتي الجواب بـ"شوية شوية" مع ابتسامة محرجة، فأشرع بالفعل في التحدّث معه بالعربية "شوية شوية"، مضحّية بوقتي وأعصابي، ومستعينة بالعبارات والمصطلحات الإنكليزية لإسعاف المحادثة.

وبعد ما يزيد عن 10 سنوات من السؤال "مرحبا، تتكلم عربي؟"، لا أدري بصراحة إن كنت شجّعت أجنبياً واحداً على تعلّم لغتي، ولكنّي أتخيّل نفسي أبذر بذرة وأترك أمرها للّه. فبسبب سؤالي العرضي، ربما يستشعر أحد في داخله الحاجة إلى أن "يتكلم عربي"، وتبدو له سوأة إهماله للغتنا، واستخفافه بأهميتها، فما بالكم لو بتنا جميعاً نسأل هذا السؤال، ونصبر على تحدّث العربية "شوية شوية" على المبادرة إلى التحدث بالإنكليزية؟

أعتقد بأن لغتنا العربية الغالية في يومها السنوي تستحق منا شرف هذه المحاولة.