في انطلاقتها الـ38 انتهت "حماس" إلى حيث وصلت "فتح"

كتاب النهار 19-12-2025 | 04:18
في انطلاقتها الـ38 انتهت "حماس" إلى حيث وصلت "فتح"
لماذا كان يجب أن تنتهي "حماس" متأخرة، وبكل تلك الأكلاف البشرية والمادية والمعنوية الباهظة، وبعد تلك النكبة الهائلة، إلى حيث كانت "فتح" قد وصلت قبلها بثلاثين عاماً؟
في انطلاقتها الـ38 انتهت "حماس" إلى حيث وصلت "فتح"
مشكلة "حماس" أنها منفصمة عن الواقع في إدراكاتها السياسية (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تتعود الفصائل الفلسطينية على مراجعة خياراتها وخطاباتها وأشكال عملها، كأنها منزهة عن الخطأ، أو كأن تجربتها خارج النقد والمساءلة، علماً بأننا إزاء حركة وطنية لها من العمر ستة عقود، بكل ما فيها من معاناة وتضحيات وبطولات وإخفاقات وتراجعات.

هذا ينطبق على حركة "حماس"، في ذكرى انطلاقتها الـ38، إذ كرّست الذكرى لتأكيد ما تسمّيه ثوابتها ومبادئها وفرادتها، دون التطرق إلى حيثيات تجربتها، وخطاباتها، في ما يتعلق بالسلطة، أو المنظمة، وفي ما يتعلق بخياراتها في المقاومة والسياسة، وصولاً إلى تحالفاتها الإقليمية.

حتى في البيان الذي أصدرته في تلك المناسبة تجاهلت "حماس" مسؤوليتها عن عملية "طوفان الأقصى" (أواخر 2023)، التي وجدتها إسرائيل كفرصة سانحة لها، للبطش بالشعب الفلسطيني، بشن حرب إبادة جماعية وحشية ضده، ما زالت مستمرة، ما تسبب بنكبة جديدة لفلسطينيي غزة، ربما تكون أقسى من النكبات التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني، نتيجة إقامة إسرائيل على أرضه.

لم تناقش تصريحات خليل الحيّة، وخالد مشعل، وموسى أبو مرزوق، وغيرهم من قياديي "حماس"، خيار "الطوفان" سوى في إطار الافتخار، في تناسٍ للتداعيات الهائلة التي نجمت عنه، وضمنها تدمير قطاع غزة، وتشريد الفلسطينيين من بيوتهم، وجعلهم تحت رحمة إسرائيل والمساعدات الدولية.

أيضاً، تلك التصريحات لم تناقش مبررات عملية "الطوفان"، وضمنها تبييض السجون، ووقف انتهاكات إسرائيل للمسجد الأقصى، ورفع الحصار عن قطاع غزة، وصولاً إلى دحر الاحتلال، إذ تضاعف عدد الأسرى، وباتت الانتهاكات في الأقصى بمثابة طقس يومي للمتطرفين الإسرائيليين اليهود، فيما أحاق بقطاع غزة الدمار، بعد الحصار، أما إسرائيل فباتت قوة مهيمنة على الفلسطينيين من النهر إلى البحر، أكثر من أي فترة مضت، بل إنها باتت قوة مهيمنة في المشرق العربي كله.

مشكلة "حماس"، في كل ما تقدم، أنها منفصمة عن الواقع في إدراكاتها السياسية، المحمّلة بأوهام وحدة الساحات، وتدخل الملائكة، ومشاركة العالمين العربي والإسلامي، والحديث عن توازن الردع، وزلزلة الأرض تحت أقدام إسرائيل، التي هي أوهن من خيوط العنكبوت، فيما لم يثبت سوى عكس كل ذلك، بثمن باهظ، علماً بأن "حماس" لم تستخدم كل تلك الشعارات، أو الادعاءات، لأغراض التعبئة، ورفع المعنويات، إذ استخدمتها كمنطلقات أسّست عليها خيارها في عملية "الطوفان".

هكذا، لا جديد في إنكار قيادة "حماس" للواقع المتشكل في فلسطين والمشرق العربي، إذ على مدار أكثر من عامين ظلت تروّج لمقولات، تغطّي خيارها الخاطئ والمضرّ، من مثل أنه لا يوجد للشعب الفلسطيني ما يخسره، وأن إسرائيل لم تحقق أهدافها في تلك الحرب، وأن خسائرنا (كفلسطينيين) تكتيكية فيما خسائر إسرائيل استراتيجية، وأن "حماس" لم تخسر سوى 20 بالمئة من قوتها.

المغالطة الأكبر تكمن في الترويج لمقولة أن عودة الاهتمام الدولي بقضية فلسطين، وهي أساساً في الدول الغربية حيث المجتمع المدني وقيم الديموقراطية الليبرالية، أتت نتيجة "الطوفان"، بينما أتت لإدانة إسرائيل على حرب الإبادة الوحشية التي شنتها ضد الفلسطينيين، ودفاعاً عن قيم الحرية في مواجهة إسرائيل العنصرية، التي حاولت مصادرة حرية الرأي في المجتمعات الغربية بتصوير أي إدانة لسياساتها العدوانية والعنصرية كنوع من اللاسامية، ضد اليهود.

بيد أن الأكثر انكشافاً في خطابات قيادة "حماس" اليوم أنها باتت تتحدث بلغة مناقضة لما نشأت عليه، لفرض ذاتها كقيادة للفلسطينيين، وضمنها التمسك بالمقاومة، ورفض التسوية، ونبذ فكرة دولة في الضفة والقطاع، فإذا بها اليوم تتحدث عن هدنة طويلة الأمد، والاستعداد للتخلي عن السلطة، والانخراط في المنظمة، والقبول ببرنامج الدولة الفلسطينية.

الأخطر من كل ذلك يبرز في مسألتين: الأولى، أن قيادة "حماس" وصلت حدّ تقديم نفسها كطرف يسهم بحفظ الاستقرار، وضمان أمن المستوطنات، مقابل الاحتفاظ بسلاحها الفردي، الذي يعني الحفاظ على مكانتها كسلطة. والثانية، أنها تطلب من الولايات المتحدة اعتبارها كطرف مفاوض، بل إنها تطالبها بالضغط على إسرائيل، في تناسٍ للتاريخ، ولطبيعة الإدارة الأميركية، في علاقتها بإسرائيل، وتجاهل أن إسرائيل ما كانت لتفعل ما قامت به، إلى هذه الدرجة، لولا الدعم السياسي والمالي والعسكري والاستخباراتي من الولايات المتحدة الأميركية.

والسؤال الآن، على ماذا تأسّس الانقسام الفلسطيني، الدامي والمدمّر والمكلف، منذ عام 2007؟ ولماذا لم تدرك "حماس" مبكراً استحالة الجمع بين المقاومة والسلطة؟ ولماذا حكمت غزة بطريقة أحادية وإقصائية، حتى إزاء أقرب حلفائها من الفصائل؟ ولماذا باتت اليوم مع هدنة طويلة مع إسرائيل، مع وقف المقاومة، ومع المنظمة، التي ذهبت إلى التسوية بحسب رأيها، ومع الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، وهي الأمور التي وطّنت نفسها على معارضتها؟

وأخيراً، ثمّة السؤال الأساسي، لماذا كان يجب أن تنتهي "حماس" متأخرة، وبكل تلك الأكلاف البشرية والمادية والمعنوية الباهظة، وبعد تلك النكبة الهائلة، إلى حيث كانت "فتح" قد وصلت قبلها بثلاثين عاماً؟